وأما بخصوص مجالات الدعوة فأنصحكم أولًا بطلب العلم -كما تقدم-، وبعد أن تقطعوا فيه شوطًا مطمئنًا تجمعوا حينئذ بين العلم والدعوة بالرفق واللين ووسائل الدعوة -بحمد الله- كثيرة فمنها إقامة المحاضرات في المراكز الإسلامية لديكم، واستضافة الشباب المسلم في هذه المراكز ودعوتهم إلى حضور المناشط الدعوية، ومما ينفع كثير ويؤثر على الشباب المبتدئين الذين ترغبون في دعوتهم بل وعامة الناس القراءة عليهم من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن الكتب النافعة في هذا الشأن (الرحيق المختوم) للمباركفوري، أو مختصر السيرة لابن عبد الوهاب.
ومن الوسائل كذلك إقامة المخيمات الدعوية في الإجازات ويتخللها برامج علمية مفيدة، ومسابقات، وطرائف تدفع السآمة عن النفوس، وتشوق الجميع للمشاركة.
ومن الوسائل توزيع الكتيبات، والأشرطة، والمطويات الدعوية ذات الموضوعات المناسبة لطبقات المدعويين.
وأما الفقرة الرابعة من السؤال فيتعين عليكم أن تعلموا أن ضوابط التعامل مع المخالف في العقيدة كما يلي:
أولًا: مقدمات مهمة
1-العقيدة التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها ولا يجوز له مخالفتها هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وتسمى عقيدة الفرقة الناجية، وهي ما كان عليها نبينا -عليه السلام- وأصحابه الكرام، ودرج عليها أصحاب القرون المفضلة، ولا تزال إلى اليوم -بحمد الله- واضحة المعالم، بينة المسائل، محررة الأصول، معلومة الحدود، وقد كتب في بيانها وضبطها وشرحها عشرات المؤلفات -ولله الحمد والمنة-.
2-ومن رحمته -تعالى- ورأفته بعباده أن السلف -رضوان الله عليهم- قد أجمعوا على تلك العقيدة، ولم يحدث بينهم نزاع، في أي من مسائلها بله أصل من أصولها وقواعدها، اللهم إلا جزئيات ملحقة يسع الخلاف فيها، كمسألة رؤية نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- لربه في الدنيا ونحوها مما ساغ فيه الاجتهاد، ومن تمام النعمة اتفاق السلف على منهج العقيدة أيضًا تلقيًا وأداء ودعوة إليها.
3-أن العقيدة توقيفية مصدرها الكتاب الشريف، والسنة الصحيحة وإجماع السلف الصالح، قال الزهري -رحمه الله-: من الله الرسالة وعلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- البلاغ وعلينا التسليم (صحيح البخاري- كتاب التوحيد 46) .
4-أن فهم العقيدة إنما يكون بفهم السلف الصالح، ووفق ما اعتقدوه وتعلموه من نبيهم -عليه السلام-، سيما مع سعة علومهم، وفرط ذكائهم وقوة إيمانهم، وحسن مقصدهم، وتمام عدلهم -رضي الله عنهم-.
5-لا ينبغي لطالب الحق أن يتلقى عقيدته مما هب ودب من الكتب والمصنفات، سيما كتب المقالات والفرق؛ لأن بعض أصحاب هذه المقالات قد أسسوها على أسس فلسفية ومنطقية ولم يؤسسوها على الأدلة الشرعية، ولكن الواجب تعلم العقيدة على علماء أهل السنة الراسخين، والاستفادة من تراث السلف ومصنفاتهم، كالإيمان لابن مندة، ولابن أبي شيبة، والإبانة الكبرى والصغرى لابن بطة، وأصول الاعتقاد للالكائي، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرها كثير -بحمد الله-.
ثانيًا: الاختلاف والتفرق:
1-أمر الله -تعالى بالوحدة والائتلاف، والاعتصام بالكتاب والسنة، وذم وعاب التفرق والاختلاف، ونهى عنه وحذر منه، فقال:"واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا" [ آل عمران: 103] وقال:"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات" [ آل عمران:105] .
2-يجب التسليم لقضاء الله وقدره بأن الاختلاف والافتراق سيقع في الأمة لا محالة، فقد أخبر المعصوم -عليه السلام- بذلك فقال:"تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (رواه أبو داود(4596) والترمذي (2640) وغيرهما وقال: حسن صحيح) وفي لفظ:"كلها في النار إلا واحدة"عند ابن ماجة (2993) من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ وجاء الحديث بألفاظ وطرق متعددة.
وهذا لا ينافي الأمر بالوحدة والاتفاق؛ لأن الخبر بل الأخبار الكثيرة جاءت في الصحيحين وغيرهما بأنه لا تزال طائفة من الأمة ظاهرة على الحق، لا يضرها من خذلها ولا من خالفها إلى قيام الساعة.
3-ليس كل خلاف موجب للفرقة والتنازع، فالاختلاف اليسير فيما يسع فيه الاجتهاد أمر مقبول، بل قد حصل بين السلف شيء يسير من هذا سبق ذكره، وإنما الحذر من الاختلاف في الأصول والكليات (يراجع الاعتصام للشاطبي) .
4-أن الاختلاف قد يدّعى مع كونه لا حقيقة له بالفعل، وإنما بسبب سوء فهم المسألة من قبل طرفين متنازعين، فيظن أحدهما أن عبارة السلف في تعريف الإيمان مثلًا أنه: قول وعمل، تخالف قول صاحبه أن الإيمان: قول وعمل واتباع للسنة مثلًا، كما نقل عن سهل بن عبد الله التستري، فيتنازع الاثنان في مسألة لا خلاف فيها أصلًا.
5-ليس كل من خالف السلف في مسألة أو مسألتين من مسائل العقيدة يخرج بالكلية من زمرة السلف، ويرمى بالبدع، فقد خالف إمام الأئمة ابن خزيمة وأبو ثور وغيرهما في مسألة الصورة، فبُيّن خطأهما بهدوء بلا قسوة، وبعدل بلا جور، ولم يُخرجا من أهل السنة والجماعة بسبب زلة أو زلتين.