فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 830

اختلف الفقهاء في حكم لبس المسلم للثياب التي استعملها الكفار مما لا تلي عوراتهم ، كالعمائم الثياب الفوقانية والمعاطف ونحوها على ثلاثة أقوال هي:

القول الأول: أنه يجوز لبسها واستعمالها.

وهذا مذهب الحنفية (1) ، والحنابلة (2) .

القول الثاني: أنه يكره لبسها.

وهذا مذهب الشافعية (3) .

القول الثالث: أنه لا يجوز لبسها .

وهذا مذهب المالكية (4) .

الأدلة:

أدلة القول الأول:

الدليل الأول:

أن الأصل في الثياب هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالشك (5) .

الدليل الثاني:

"أن التوارث جارٍ فيما بين المسلمين بالصلاة في الثياب المغنومة من الكفرة قبل الغسل" (6) .

الدليل الثالث:

أن خبث الكفار في اعتقاده لا يتعدى إلى ثيابه فتبقى ثيابه على أصلها في الطهارة (7) .

أدلة القول الثاني:

الدليل الأول:

عن أبي ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب نأكل في آنيتهم ، وأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم أو بكلبي الذي ليس بمعلم ، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك ، قال: أما ما ذكرت أنك بأرض قوم من أهل الكتاب ،تأكلون في آنيتهم ، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ، وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد،فما أصبت بقوسك فاذكر اسم الله عليه ثم كل،وما أصبت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل، وما أصبت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل (8) .

وجه الدلالة:

أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن استعمال أواني أهل الكتاب فيقاس عليه استعمال ثيابهم ، ولبسها وأقل أحوال النهي الكراهة ، فيكون استعمال ثيابهم ولبسها مكروهًا.

يناقش:

بأنه لا يسلم لكم هذا الاستدلال؛ لأن هذا الحديث لم يرد في الثياب وإنما ورد في الأواني فلا يصح قياس الثياب على الأواني ؛ لوجود الفارق بينها.

وعند التسليم بصحة قياس الثياب على الأواني فإنه يرد عليه الاعتراض من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول:

أن السؤال كان عن الآنية التي يطبخون فهيا لحم الخنزير ويشربون فيها الخمر كما جاء في رواية أبي داود

الوجه الثاني:

أن النهي عن استعمالها مع وجود غيرها محمول على الاستحباب

الوجه الثالث:

قال البيهقي: روى عن أبي ثعلبة الخشني ما دل على أن الأمر بالغسل قد وقع عند العلم بنجاسة آنيتهم

الدليل الثاني:

أن هذه الثياب قريبة من موضوع الحدث فقد لا يتنزهون من البول (9) .

يناقش:

بأنه لا يسلم لكم أن هذه الثياب قريبة من الحدث؛ لأنها لا تلي عوراتهم فهي بعيدة عن مواضع الحدث ، وعلى هذا فإنها تبقى على أصلها وهو الطهارة.

الدليل الثالث:

أن الكفار لا يتورعون عن النجاسة ولا تسلم ثيابهم منها ،وأدنى ما يؤثر ذلك الكراهة (10) .

يناقش: بأنه يسلم لكم أنهم لا يتورعون عن النجاسة ، ولكن ذلك يكون في الثياب التي تلي عوراتهم وهلي موضع النجاسة ، دون الثياب التي لا تلي عوراتهم فهي بعيدة عن موضع النجاسة ، فتبقى على أصلها وهو الطهارة ما لم يعلم يقينًا نجاستها.

أدلة القول الثالث:

الدليل الأول:

قال الله تعالى: ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) التوبة:28.

وجه الدلالة:

أن الله سبحانه وتعالى بيَّن في هذه الآية نجاسة المشركين ، ومعنى هذا أنهم نجس وكل ما يباشرونه من ثياب ونحوها فإنه يكون نجسًا ؛ لنجاستهم فلا يصح استعماله قبل غسله.

نوقش: بأن المراد بنجاسة المشركين في هذه الآية نجاسة اعتقادهم ودينهم المحرف ، وليس المراد نجاسة أبدانهم وثيابهم وأوانيهم بدليل أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أدخلهم المسجد واستعمل آنيتهم وأكل طعامهم (11)

الدليل الثاني:

عن أبي ثعلبة الخشني قال:"أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب نأكل في آنيتهم ، وأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم أو بكلبي الذي ليس بمعلم ، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك ، قال: أما ما ذكرت أنك بأرض قوم من أهل الكتاب ، تأكلون في آنيتهم ،فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها، وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد ، فما أصبت بقوسك فاذكر السم الله عليه ثم كل ، وما أصبت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل ، وما أصبت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل" (12) .

وجه الدلالة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استعمال أواني الكفار إلاَّ عند عدم وجود غيرها فإنه يجب غسلها ، فيقاس عليه استعمال ثيابهم ولبسها فيكون محرمًا إلاَّ عند عدم وجود غيرها فإنه يجب غسلها.

يناقش هذا الدليل:

بما نوقش به الدليل الأول من أدلة القول الثاني في هذه المسألة (13) .

الترجيح:

بعد النظر في هذه المسألة والاطلاع على الأقوال الواردة فيها ومعرفة أدلة كل قول منها ، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة ، تبيّن لي - والله أعلم بالصواب- أن القول الراجح هو القول الأول ، وهو أنه يجوز لبس ثياب الكفار التي لا تلي عوراتهم واستعمالها، ولو كان ذلك قبل غسلها ؛ لأن الأصل فيها الطهارة ، والنجاسة طارئة لا تثبت بالشك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت