وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ، ولضعف أدلة الأقوال الأخرى وعدم سلامتها من المناقشة ، ولأن الأصل في الثياب الطهارة، والنجاسة مشكوك فيها، فلا يقدم المشكوك فيه على المتيقن ، والله أعلم.
الأمر الثاني:
حكم لبس ثياب الكفار التي تلي عوراتهم
اختلف الفقهاء في حكم استعمال المسلم كملابسهم الداخلية التي تباشر أجسادهم (14) على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يحرم استعمالها.
وهذا مذهب المالكية (15) ، ووجه عند الحنابلة ذهب إليه القاضي أبو يعلى (16) .
القول الثاني أنه يكره استعمالها .
وهذا مذهب الحنفية (17) ، والشافعية (18) ، ورواية عند الحنابلة (19) .
القول الثالث: أنه يجوز استعمالها .
وهذا القول رواية عند الحنابلة وهي المذهب (20) .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
عن أبي ثعلبة الخشني:"أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا ، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا واشربوا" (21) ."
وجه الدلالة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استعمال أواني أهل الكتاب عند مباشرتها للنجاسة ، كالخنزير والخمر عند وجود غيرها ، وأمر بغسلها عند عدم وجود غيرها ، مما يدل على نجاستها ، فيقاس على أوانيهم ثيابهم التي تباشر النجاسة وهي ثيابهم التي تلي عوراتهم ،فتكون نجسة لا تستعمل عند وجود غيرها ، وعند عدم غيرها تغسل لنزول النجاسة ثم تستعمل .
الدليل الثاني:
أن هذه الثياب التي تلي عوراتهم قريبة من موضع الحدث بل موالية له ، وهم في العادة في هذا الزمان لا يتنزهون من البول ، بل يلبسون ثيابهم هذه بمجرد انتهائهم من التبول ، دون أن يستنجوا أو يستجمروا ، فتكون نجسة .
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
قالوا: قلنا بالجواز لأننا على يقين من الطهارة ، وفي شك من النجاسة. وأما الكراهة فلأنه يلي موضع الحدث وهم لا يحسنون الاستنجاء ويعرقون فهيا لا محالة ، والظاهر أن إزارهم لا ينفك عن نجاسة فتكره الصلاة فيه (22)
يناقش:
بأن آخر دليلكم صحيح ، ويعارض أوله حيث ذكرتم فيه أنهم لا يحسنون الاستنجاء ، بل هو لا يستنجون أصلًا ولا يستجمرون ، وهم يلبسون ثيابهم الموالية لعوراتهم بعد انتهائهم من البول مباشرة ، قبل استنجائهم أو استجمارهم ، فتكون ثيابهم الموالية لعوراتهم نجسة يقينية نقلت من حكم الطهارة الأصلي.
الدليل الثاني:
أن الثياب التي تلي عورات الكفار قريبة من موضع الحدث ، فقد لا يتنزهون عن الحدث ؛ فيكون استعمالها مكروهًا للشك في نجاستها (23) .
يناقش:
بأننا نسلم لكم أن الثياب التي تلي عورات الكفار قريبة من موضع الحدث ، ولكننا لا نسلم لكم ببقية الدليل وهو أنهم قد لا يتنزهون عن الحدث فيكون استعمالها مكروهًا للشك في نجاستها ، بل نقول: إنهم يقينًا لا يتنزهون عن الحدث فيكون استعمالها محرمًا لتيقننا نجاستها.
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول:
أن الأصل في الثياب هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالشك (24) .
يناقش بأنه يسلم لكم أن الثياب التي لا تلي عورات الكافرين الأصل فيها الطهارة ، والنجاسة فيها كشكوك فيها فتبقى على الأصل وهو الطهارة ، ولكنه لا يسلم لكن أن ثياب الكفار التي تلي عوراتهم الأصل فهيا الطهارة ؛ لأننا نعلم يقينًا أنهم لا يتورعون عن النجاسة وأنهم يتبولون فلا يستنجون ولا يستجمرون.
الدليل الثاني:
أن خبث الكافر في اعتقاده لا يتعدى إلى ثيابه (25) .
يناقش:
بأنها نسلم لكم أن خبث الكفار في اعتقاده لا يتعدى إلى ثيابه ، ولذلك لا نقول إن نجاسة ثياب الكفار المالية لعوراتهم منتقلة إليهم ومتعدية من أجسادهم أو من اعتقادهم ، وإنما نقول إن هذه النجاسة جاءت من كونهم لا يتورعون عن النجاسة ، حيث إنهم يتبولون ولا يستنجون ولا يستجمرون ولا يتنظفون عقب ذلك فتصيب النجاسة ثيابهم التي تلي عوراتهم .
الترجيح:
بعد النظر في المسألة السابقة ومعرفة الأقوال الواردة فهيا ،والإطلاع على أدلتها ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة منها ، تبين لي أن القول الراجح في هذه المسألة هو القول الأول ، وهو انه لا يجوز استعمال ثياب الكفار التي تلي عوراتهم - ما لم تطهر بعدهم -؛ لنجاستها ؛ وذلك لقوة أدلته ، ولضعف أدلة الأقوال الأخرى وعدم سلامتها من المناقشة ، ولأن الغالب على الكفار الآن عدم تنظفهم بعد قضاء الحاجة ، بل يلبسون ثيابهم مباشرة ، والله أعلم •* استاذ الفقه المشارك بجامعة الملك سعود/فرع القصيم
** ن/ع مجلة المجمع الفقهي العدد 13 /النسة الثالثة عشرة
(1) بدائع الصنائع 1/81، المبسوط 1/97، شرح فتح القدير 1/211، حاشية ابن عابدين 1/205.
(2) المغني 1/111، شرح العمدة في الفقه 1/121 ، المقنع 1/155، الشرح الكبير لابن قدامة 1/158، شرح منتهى الإرادات1/26.
(3) المهذب 1/، المجموع 1/263 مغني المحتاج 1/31.
(4) المدونة1/35، الشرح الكبير للدردير 1/61،التاج والإكليل1/121 ، حاشية الدسوقي 1/61.