فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 830

اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم التجنّس بجنسية الدولة غير المسلمة فمنهم من منع من ذلك، وهم الأكثر واحتجوا بأن التجنّس فيه موالاة لأهل الكفر، وهي محرمة فالتجنّس يوجب التبعيّة لغير الدولة الإسلامية والخضوع لنظامها، كما أن التجنّس يفرض على صاحبه الخضوع المطلق لقوانين الدولة المانحة للجنسية في كل ما يتعلق بشؤون حياته، وأغلب هذه القوانين كفريّة تصادم قواطع الشريعة الإسلامية، مثل: إباحة الزنا والربا والردّة باسم الحرية وحقوق الإنسان.

ولأن التجنس يقتضي من صاحبه أن يدافع عن تلك الدولة، ويشارك في جيشها عند قيام حرب بينها وبين دولة أخرى ولو كانت مسلمة، ومن المعلوم أنه لا يجوز الركون إلى أهل الكفر والظلم، ولا التعاون على الإثم والعدوان ومعاونة غير المسلمين على مقاتلة المسلمين.

وقالوا: إن من يريد التجنّس لابد أن يقيم إقامة دائمة في البلد لكي يحصل على جنسيتها، والإقامة الدائمة بلا ضرورة محرّمة.

وهناك من الفقهاء من أباح التجنّس بجنسية الدولة غير الإسلامية، وعلّلوا بأن الإقامة في بلد الكفر مع الأمن على الدين والنفس والعرض والمال جائزة، والتجنّس لا يزيد عن الإقامة إلا بمجرد الانتساب إلى الدولة.

وقالوا: إن التجنّس يكسب الإنسان قوة وصلابة في المجتمع، ويعطيه القدرة على المطالبة بحقوقه، ويسهّل له قضاء أموره ومصالحه، ويضمن للإنسان التمتّع بالحقوق والحريات الأساسية التي غالبًا ما تنعدم في البلاد الإسلامية.

وذكروا أن التجنّس بجنسية الدولة الكافرة في هذا العصر يكسب الإنسان مكانة و حماية قد لا يجدها في كثير من الدول الإسلامية، ويجعله يتمتع بحقوق كثيرة تمكنه من العطاء أكثر، ولاسيما في مجال الدعوة إلى الله تعالى، وخدمة الإسلام.

وذكروا أن التجنّس،وإن كان فيه بعض المفاسد، ولكن المصالح المتحقّقة بوساطته أكثر، و من القواعد الشرعية أنه يتحمل الضرر الأخص لجلب مصلحة تفويتها أشدّ.

كما علّلوا بأن الإنسان قد يضطر في كثير من الأحيان للتجنّس كي يحافظ على حياته كمن اضطهد في بلاده ولم يجد لنفسه فيها مأمنًا، ولم يُسمح له بالمقام في بلاد الكفر إلا إذا تجنّس، فحينئذ لا مانع من التجنّس مادام يحافظ على الفرائض الدينية ويبتعد عن المحرمات.

وعليه مع ذلك أن يحرص على استقلال شخصيته الإسلامية وأن يستشعر دومًا انتماءه للأمة الإسلامية، فينوي العودة إلى بلده متى زالت الضرورة.

واستثنى بعض الفقهاء المعاصرين من المنع أيضًا:

أن يتجنس المسلم لتحقيق مصالح كبرى للمسلمين كالدعوة إلى دين الله -عز وجل- والتعريف بالإسلام أو تحصيل علوم ضرورية يحتاجها المسلمون، ونحو ذلك، ولا يستطيع تحقيق هذه المصالح إلا بالتجنس، ومرجع هذا إلى قاعدة المصالح والمفاسد والموازنة بينهما.

ولكن ينبغي -إذا قيل بجواز هذا- أن يكون على أضيق نطاق، ولا يقدم عليه إلا من كان لديه من العلم والدين ما يحصّنه من الذوبان في تلك المجتمعات الكافرة.

الفتاوى المصدّرة من بلاد إسلامية إلى بلاد الأقلّيات، كيف تقدرون أثرها على الواقع الفقهي في بلاد الأقليات؟ وما هو توجيهكم في هذا الصدد؟

الفتاوى التي تصدر من البلاد الإسلامية إلى بلاد الأقليات لها أهميتها ومنزلتها وبخاصة إذا كانت صادرة من العلماء المشهورين بالرسوخ في العلم والفتوى، أو كانت صادرة من المجامع الفقهية والمؤسسات الشرعية التي تُعنى بفقه الأقليات، وكثيرًا ما يتطلع مسلمو الأقليات إلى معرفة فتاوى العلماء في البلاد الإسلامية ويثقون بها ثقة كبيرة، وسبب هذا في نظري هو قلة العلماء المتخصصين في علوم الشريعة في بلاد الأقليات الإسلامية، وشهرة بعض العلماء في العالم الإسلامي.

ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن بعض الفتاوى التي تصدر من بلاد إسلامية ينقصها تصور واقع حال الأقليات، وعدم إدراك اختلاف بعض الأحوال والعوائد والأعراف التي تؤثر في إعطاء الحكم في بعض المسائل، كما أن بعض المفتين قد لا يدرك حجم الضرورة أو الحاجة التي قد يقع فيها مسلمو الأقليات، فيغفل هذا الجانب كلية عند إعطاء الفتوى، وفي المقابل تجد بعض المفتين يستصحب حكم الضرورة في كل المسائل التي تُعرض عليه، فيقع في التساهل وتمييع الأحكام، وتجد أيضًا أن بعض المفتين لا يراعون اختلاف مذاهب المستفتين، وبخاصة بعد وقوع الفعل من المستفتي الذي يكون مقلدًا فيه للمذهب الفقهي الذي ينتسب إليه.

ترد للعلماء في البلاد الإسلامية أسئلة من مسلمين في بلاد الغرب، فكيف يتعامل معها المفتي في هذه الحالة خصوصًا إذا كان أمام الناس؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت