فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 830

يتعامل مع هذه الأسئلة كما يتعامل مع أي أسئلة فقهية أخرى تُعرض عليه لكن مع ملاحظة ما تقتضيه طبيعة هذه الأسئلة من معرفة للواقع الذي نشأت فيه، وإذا كان بعض هذه الأسئلة يحتاج إلى استفسار واستفهام فعليه قبل أن يجيب أن يسأل أهل الخبرة والمعرفة حتى يفتي على بصيرة، كما أن هناك بعض الأسئلة قد لا يحسن أن يجيب عنها المفتي أمام الناس لما لها من خصوصية؛ لكونها قضية عين، فيُخشى أن يفهم الناس أن فتواه عامة في كل حال، وهو إنما أجاب عن هذه المسألة لاعتبارات يدركها في هذه الواقعة قد لا يلاحظها غيره من عامة الناس.

نريد أن نسألكم في أولويّات القضايا، فهل على المسلم في الغرب (والمسلم الغربي) أن يهتم بقضايا بلده أولًا أم يهتم بقضايا المسلمين خارج بلده؟

المسلم عليه أن يهتم بقضايا المسلمين ويتفاعل معها، ولو كان يعيش في بلد غير إسلامي؛ لأن هذا هو منطلق الرابطة العقديّة التي تجمعه مع إخوانه المسلمين؛ فهو يألم لألمهم ويفرح لفرحهم وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"متفق عليه.

واهتمامه بقضايا المسلمين لا يتعارض أيضًا مع اهتمامه بقضايا البلد الذي يعيش فيه؛ فيتفاعل مع هذه القضايا أيضًا بما يخدم مصلحته ومصلحة إخوانه المسلمين ويشارك في البرامج والأعمال التي تخدم مصلحته ومصالح المسلمين إذا كانت هذه الأعمال لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

ولو قُدّر وجود تعارض بين الاهتمام بقضايا بلده وقضايا المسلمين، فعليه أن يقدم الاهتمام بقضايا المسلمين، ولكن عليه أن يكون فطنًا بحيث يتخذ الأسلوب الحكيم الذي يحقق المقصود، ولا يثير المشاكل أو يجلب الضرر، أو يستعدي عليه الناس.

ما حكم تقديم بعض التنازلات من قبل المسافرين إلى الدول الغربية مثل خلع النقاب، وإلحاق الأبناء بمدارس مختلطة لعدم وجود البديل؟

كثير ممن يسافر إلى البلاد غير الإسلامية يسارع إلى تقديم تنازلات كثيرة مدفوعًا بوهم أنه لا يستطيع المحافظة على أحكام الشريعة الإسلامية في هذه الأمور بسبب غلبة الكفار وقلة المسلمين وضعفهم، وقد يوقع الشيطان في رُوعه أنه إذا حافظ على هذه الأحكام قد يتعرض للأذى والمساءلة، وما إلى ذلك، ولهذا تجد المرأة على سبيل المثال تخلع حجابها، وتلبس لباس الكافرات من أول وصولها إلى تلك البلاد، وتجد الرجل يفرّط في أداء الصلاة، ويحلق لحيته.. إلى غير ذلك من التساهل الغريب.

والواقع أنه لا يوجد ما يُلجئ المرء إلى هذا التساهل والتفريط، والشاهد على هذا أنك تجد من المسلمين والمسلمات الذين أقاموا في هذه البلاد مدّة طويلة، وربما يحملون جنسية هذا البلد، ومع هذا فهم متمسكون بدينهم كأحسن ما يكون التمسك؛ فتجدهم يحافظون على الصلاة والجمعة، وتجد المرأة ملتزمة بالحجاب حتى في مكان عملها، ولم يتعرضوا لسوء، وأنا مكثت في الولايات المتحدة الأمريكية مدّة أربع سنوات، ووجدت كثيرًا من المسلمين والمسلمات يلتزمون بهدي الإسلام، ولم ينلهم بسبب ذلك أي أذى، بل فرضوا على الناس احترامهم وتقديرهم، وكانوا بسلوكهم هذا دعوة متحركة إلى الإسلام في حق من ينظر إليهم، ويتأمل ما هم عليه من احتشام ومظهر حسن، واستطاعوا أن يربّوا أبناءهم تربية حسنة من خلال المدارس الإسلامية التي أنشؤوها بأموالهم وخلّصوها من مفاسد المدارس المختلطة.

ولكن الذين يتّبعون الشهوات ويغويهم الشيطان يتعلّلون بأوهى الشّبه لكي يبرروا لأنفسهم ما هم عليه من معصية ومخالفة.

وعلى هذا فلا يجوز التساهل في الالتزام بأحكام الإسلام، وفيما يتعلق بالمدارس المختلطة لا يجوز الالتحاق بها إلا إذا لم يوجد البديل السالم من مفسدة الاختلاط، واحتاج الإنسان إلى هذه الدراسة، وعليه في هذه الحال أن يتجنب الاختلاط داخل مكان الدراسة بقدر الإمكان. وعلى المسلمين في تلك البلاد أن يسعوا إلى إنشاء المدارس الإسلامية التي يستغنون بها عن المدارس المختلطة.

كيف نحقق التوازن بين الحفاظ على الهويّة والشخصية في المجتمع الغربي وبين الانخراط والتفاعل مع أهل البلاد الأصليين دون الذوبان؟

يحقق المسلم الذي يعيش في بلاد الغرب التوازن بين الحفاظ على الهُويّة والشخصية الإسلامية وبين الانخراط والتفاعل مع أهل البلد دون ذوبان بأن يبقى في قلبه التبرّؤ من دينهم، وبُغض ما هم عليه من كفر وانحراف وفساد، وإنكار ما هم عليه من باطل، ويبتعد عن موالاتهم ومحبتهم، ويبقى ولاؤه ومحبّته للمسلمين، ويمتنع عن مخالفة أحكام الإسلام ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يستشعر دومًا انتماءه للأمة الإسلامية. وعليه أن يتجنب التحاكم إلى محاكم القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية فيما لا تدعو الضرورة إليه، وأن يتعاون مع إخوانه المسلمين في كل ما من شأنه خدمة الدين مثل إقامة المراكز الإسلامية والمدارس والأندية الثقافية التي تنشر الثقافة والوعي، وتربط أبناء المسلمين باللغة العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت