فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 830

وإذا كانت الحركة الإسلامية حريصة على أن تكون في مستوى العصر، فإنه عليها أن تدرك أنها تعيش في عصر الاختصاصات، واختصاص الاختصاصات، وفي كل جانب من الجوانب. وجريمة نكراء ترتكبها الحركة، حينما تكون عندها هذه الاختصاصات - وهي موجودة - ثم هي لا تلتفت إليها، ولا تعمل على توظيفها وتسخيرها بشكل شامل وكلّي في دائرة العمل الإسلامي.

طبيعة بلاد الاغتراب:

إن بلاد الاغتراب - كائنًا ما كانت - تختزن من العلوم والطاقات والمعارف والخبرات ما لا يتسع المقام لإحصائه وحصره.

والمغتربون سواء انتقلوا إلى بلاد الاغتراب للدراسة، أو العمل، فإنهم ظلّوا على التزامهم لله ورسوله وعهدهم للدعوة، بإمكانهم أن يقّدموا لإسلامهم خدمات نوعية لا يمكن أن تتاح لأولئك الذين يعملون في الداخل، وإن كان الجميع على ثغور الإسلام، والفريقان لا غنى لأحدهما عن الآخر.

إن التلاقح مع الآخرين، والاستفادة من خبراتهم وعلومهم، والتعرّف إلى الطرق والأساليب المعتمدة عندهم في التخطيط والتنظيم والتأهيل، وهي علوم تجريدية، من الممكن أسلمتها ووضعها في خدمة الإسلام، مما يختصر الأوقات المهدورة، ويحرّك الطاقات المعطلّة والعناصر الجامدة أو المجمّدة.

إن الأمثلة على ذلك كثيرة، وأكثر من أن تحصى، وفي كل مجال، مما يتّسع المجال لتناولها في هذه العجالة..

ومن طبيعة بلاد الاغتراب تنّوع الناس فيها لغة، وقومية، وذهنية، وطباعًا، وأمزجة، وعادات، وتفاليد. مما يثري التجربة ويعطيها بعدًا عالميًا، ومما يُكسب الأخ الداعية خبرة لا يمكن أن تتاح له فيما لو بقي في بلده، وبين من يشابهونه ويشابههم في كل شيء، ومما يجعله واقعي التصرف، منظّم الفكر والتصرف، منطقي التحليل والدراسة والتقويم..

فقه العمل الإسلامي في بلاد الاغتراب:

لا بد للعمل الإسلامي في بلاد الاغتراب من فقه يختلف - في القضايا الاجتهادية - والتي تقع ضمن دائرة المتغير لا الثابت، عن فقه العمل في العالم الإسلامي.. وعلى قاعدة قول الرسول e:"أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم"، لا بد وأن يكون الأداء والخطاب الإسلامي في مستوى عقول الناس، سواء كانوا مسلمين وافدين، أو مسلمين أجانب، أو أجانب غير مسلمين.

1-إن الأداء والخطاب الإسلامي مع المسلمين الوافدين من البلاد الإسلامية، يختلف أسلوبًا وبعدًا وهدفًا عن غيره، وله خصوصتيته وخصائصه. والهدف المحوري مع هذا الفريق يجب أن يتمحور حول دفعهم إلى الالتزام الإسلامي، وإلى التعاون وعدم التفرّق والانقسام، إلى أن يعطوا الأجانب صورة مشرّفة عن الإسلام. إضافة إلى تهيئتهم وتحضيرهم ليكونوا بعد عودتهم إلى أقطارهم جنودًا ومساندين للعمل الإسلامي..

2-أما الخطاب والأداء الإسلامي مع المسلمين الأجانب، فيجب أن يتمحور حول تأصيل معرفتهم بالإسلاموالتزامهم به، والاستفادة من آرائهم وتصوراتهم ومقترحاتهم في العمل للإسلام والدعوة إليه. ويمكن للحركة أن تستفيد كثيرًا من زوايا التفكير التي لدى هؤلاء، والتي تختلف بشكل كبير عن زوايا التفكير عندنا.

3-أما الأداء والخطاب الإسلامي مع غير المسلمين، فيجب أن يختلف بشكل جذري عمّا هو مع المسلمين. إن مادة الخطاب يجب أن تلامس عمق المشاكل التي يعيشون، وتحرك العقول والمشاعر في الاتجاه الصحيح، والفطري، والذي هم عنه غافلون.

ويجب أن ندرك أن الناس في بلاد الاغتراب في ضياع وفراغ روحي، وقلق ويأس نفسي وسريعي التجاوب مع من يحرّك عواطفهم، ويستثير انتابهم، ويشدهم إلى ما يبعث في نفوسهم الطمأنينة، وإلى ما يبلسم جراحاتهم النفسية العميقة.

وهذا ما يجعل الدعاة في بلاد الغتراب سفراء للإسلام، فإما أن يحسنوا السفارة، وإما أن يسيئوا إليها، وإما أن يكونوا أداة اجتذاب للإسلام أو أداة تنفير، وفتنة للذين كفروا..

وهنا يأتي دور الدعوة بلسان الحال، ومن خلال المعاملة، وليس فقط من خلال لسان المقال والدعوة الفطرية إلى الإسلام. وفي المثل: (إن لسان الحال أوقع وأبلغ من لسان المقال) .

مقومات العمل الإسلامي في بلاد الاغتراب:

إن للعمل الإسلامي في بلاد الاغتراب مقومات قد لا تكون متوفرة في أقطار العالم الإسلامي، والتي تواجه فيها الحالة الإسلامية ضغوطًا متعددة، مما يجعل التنسيق والتعاون بينهما سبيلًا إلى التكامل على كل صعيد..

1-إن مناخ الحرية المتاحة - والتي بدأت بالانحسار في الفترة الأخيرة - يجعل العمل الإسلامي متحركًا بلا ضغط، يلحظ سلّم الأوليات، والتوازنات، وسنة التدرج والتطور، مما يكسبه واقعية وثباتًا واستمرارية، ولا يجعله قفزًا في الفراغ، أو ردّات لأفقال اللآخرين. وهذه مزية يجب الاستفادة منها.

2-وإن مناخ العلمية والتقدم، في مجالات التطور الصناعي والتقني على كافة الصعد، يتيح للعاملين في بلاد الاغتراب فرص الاستفادة من هذا التطور، وبالتالي نقله إلى البلاد الأم كيما تستفيد منه الحركة الإسلامية، في كافة خطواتها ونشاطاتها وأعمالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت