فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 830

قال ابن تيمية - رحمه الله:"ولم يكن الشرك أصلًا في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله، لاتباعهم النبوة، قال تعالى (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ) يونس: 19]، قال ابن عباس: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام) . ثم وقع بعد ذلك الشرك والله - تعالى - أخبر في كتابه أن الفطرة التي فطر الناس عليها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص. فقال - تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الروم30 ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] هذا هو الإسلام يا عباد الله، وما سمي إسلاما إلا لما فيه من الاستسلام لله، والذل له، والعبودية له، والانقياد لطاعته، وتوحيده والإخلاص له.، تعلم أنه - سبحانه - هو الإله الحق، والمستحق لأن يعبد ويطاع ويعظم لا إله غيره ولا رب سواه. ونحن نردد ونقول في كل صلاة:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي إياك نعبد وحدك، وإياك نستعين وحدك، لا رب ولا معين سواك، فجميع ما يقع من العباد هو من الله قال - تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) فهو - سبحانه - المنعم، وهو المستعان والمعبود بالحق - جل وعلا -. فأنت يا عبد الله إذا جاءتك نعمة على يد أي أحد من الناس فكله من نعم الله - جل وعلا - عليك، وهو الذي ساق ذلك ويسره لك - سبحانه -، وخلق من جاء بها وساقها على يديه إليه وحرك قلبه ليأتيك بها، وأعطاه القوة والقلب والعقل، وجعل في قلبه ما جعل حتى أوصلها إليك. يدبر الأمر - جل وعلا -، كما قال - سبحانه: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) وتوحيد الله - عز وجل - الذي هو معنى لا إله إلا الله، يعني أنه لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله بالحق، وتثبتها لله وحده، كما قال سبحانه عن سيد الموحدين (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) وبهذا نعلم أن ما يصنع حول القبور المعبودة من دون الله. مثل قبر البدوي، والحسين وأشباه ذلك، وما يقع من بعض الجهال من الحجاج وغيرهم عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من طلب المدد والنصر على الأعداء، والاستغاثة به والشكوى إليه ونحو ذلك، أن هذه عبادة لغير الله - عز وجل -، وأن هذا شرك الجاهلية الأولى، عن عائشة أن أم سلمة - رضي الله عنهما - ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) وهاهي آيات القرآن تصدح ببيان واضح جلي لتبين أن دعاء المخلوق الميت لا يمكن بحال أن ينتفع به أحد قال - تعالى - (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين) فهل هناك تقريع أشد من هذا، وهكذا ما قد يقع من بعض الصوفية من اعتقادهم أن بعض الأولياء يتصرف في الكون ويدبر هذا العالم والعياذ بالله إن لم يكن هذا الشرك بعينه فما هو الشرك إذا،،.إذا علم هذا فلنعلم أنه لا توحيد ولا إسلام ولا إيمان ولا نجاة إلا بإفراد الله بالعبادة،، وهذا معنى قوله - تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وإذا أنحرفنا عن هذا المنهج القويم وقع في شر أعمالنا قال - تعالى - (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) عباد الله: نحن في زمان غلب فيه الجهل، وقل فيه العلم، وأقبل الناس إلا من شاء الله، على علوم أخرى وعلى مسائل أخرى، تتعلق بالدنيا، فقل علمهم بالله، وبدينه لأنهم شغلوا بما يصدهم عن ذلك، وصارت أغلب الدروس في أشياء تتعلق بالدنيا، أما التفقه في دين الله، والتدبر لشريعته - سبحانه -، وتوحيده، فقد أعرض عنه الأكثرون، وأصبح من يشتغل به اليوم هو أقل القليل.قال - تعالى - (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) لقد جهل المشركون توحيد العبادة الذي هو الأساس الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وخلق من أجله الثقلان"الجن، والإنس"، وظنوا أن ما هم عليه من الشرك دين صالح وقربة يتقربون بها إلى الله؛ مع أنه أعظم الجرائم وأكبر الذنوب، وظنوا بجهلهم وإعراضهم وتقليدهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت