4-التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية: توضح سناء المصري أنه بعد تضخم ظاهرة الجمعيات غير الحكومية صار مرض التمويل الأجنبي متفشيًا، والعلاقات مع الخارج مفتوحة على مصراعيها لقاء بعض التقارير عن الداخل تصب مباشرة لدى المؤسسات الدولية مهما اختلفت مسبباتها (4) .
وهذا ما يوضحه الدكتور نبيل السمالوطي؛ حيث يقول: «إن التمويل الأجنبي يُوظَّف لا لتنمية المجتمعات النامية بشكل متوازن، ولكن يُوظَّف في بعض الأحيان لتنفيذ التوجهات العالمية اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا لصالح احتكارات الغرب ولغير صالح الدول النامية» (5) .
وتقوم بهذا الدور مؤسسات مالية دولية عالية المستوى، فقد قامت مؤخرًا هيئة عربية تعمل كمظلة للجمعيات العربية غير الحكومية بإعداد دليل ضم 81 مؤسسة دولية للتمويل، جاء على رأسها (فورد، والاتحاد الأوروبي) .
ومؤسسة (فورد) تقول عنها سناء المصري نقلًا عن حميدة نعنع الكاتبة السورية: «مجرد ذكر اسم «فورد فونديشن» يجرنا إلى نقاش مستفيض حول تاريخ هذه المؤسسة، والأدوار التي مارستها في بعض دول أمريكا اللاتينية والهند وزيمبابوي. وهي أدوار كان ظاهرها المساعدة الإنسانية بينما استخدمت هذه المساعدة لإجراء بحوث ودراسات انتهت كلها إلى مكاتب المخابرات الأمريكية» (1) .
أما (الاتحاد الأوروبي) فقد أثيرت حوله قضية سعد الدين إبراهيم ومركز ابن خلدون؛ تلك القضية التي شغلت مساحات إعلامية واسعة النطاق على المستويات المحلية والدولية كافة، وكانت البداية تمويلًا من (الاتحاد الأوروبي) قدره 220 ألف يورو.
إن العناصر الأربعة السابقة: (الديون ـ الاستثمارات الأجنبية ـ المعونات ـ التمويل الأجنبي) كانت بعضًا من كثير مما أحدثه هروب الأموال العربية للخارج.
* وقفة استثمارية:
-قضية الأموال العربية يكمن أحد جوانب مشكلتها في النظرة الجزئية للأموال، فبعض المستثمرين العرب ينظرون إلى الـ (مليون دولار) التي هي كل ثروة الواحد منهم أو نصفها على أنها لا تمثل شيئًا في تلك القضية المعقدة، ومن ثم فهم يرسلونها للخارج، لكن هل يعلمون أنه إذا تم حساب حصيلتهم مجتمعة فسوف يكوّن الرقم جزءًا كبيرًا من القضية، هذه نقطة.
النقطة الأخرى: قد يجزم بعض المستثمرين بأنه يعلم جيدًا أن استثماراته كلها نظيفة، وأن أصول أمواله مستثمرة مثلًا في الصلب أو صناعة السيارات، نقول: ما الذي يمنع إدارة تلك المشروعات أن توجه الأرباح إلى الاستثمارات القذرة التي لا حدود لربحيتها، وخاصة أن حصتك غير مسيطِرة على المشروع ـ كما أوضحنا ـ؟!
نعلم جيدًا أن هناك عوامل طرد وعوامل جذب، وتسعى الحكومات العربية جاهدة في معالجة العوامل الطاردة؛ من ضرائب وجمارك وما إلى ذلك من معوقات، لكن ألا يجدر بنا أن نفكر في القضية بصورة معيارية؛ بمعنى أن نكون أصحاب غاية حقيقية، إن الانسحاب لا يحل القضية بل يزيدها تعقيدًا.. كما أن بعض تصريحات الاقتصاديين قد تصيب المستثمرين العرب بالإحباط، ويوضح ذلك عبد الرحمن الزامل رئيس «مركز تنمية الصادرات السعودي» ؛ حيث يقول: «إن الأموال الخليجية في الخارج أرسلت بحثًا عن الفرص التي أصبحت محدودة جدًا في الخليج» (2) . نشك في محدودية الاستثمار في الخليج، ولو كانت الاستثمارات في الأرض أو الجو انتهت؛ فهناك استثمارات أعماق البحار حيث اللؤلؤ والمرجان والأسماك، وهي أعلى ربحية من الاستثمارات الأرضية والجوية؛ تلك الاستثمارات ألا يمثل الخليج مجالًا خصبًا لها؟! وعلى سبيل المثال؛ فإن صناعة اللؤلؤ تمثل ثقلًا اقتصاديًا مزدهرًا في جنوب شرق آسيا، وهناك خبراء استثمار كثيرون يمكن أن يدلوا بدلوهم في هذا الأمر. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: لماذا نحصر الاستثمار في الخليج فقط؟ لماذا لا نتشعب في قنوات الأمة؟ السودان على سبيل المثال بها 200 مليون فدان فائقة الجودة الزراعية، المياه متوفرة، العمالة جاهزة؛ سواء السودانية أو المصرية، ما ينقص هو التمويل.. لماذا لا يقوم أحد المستثمرين بالتجربة على ألف فدان فقط وينظر إلى العائد؟ سؤال لا يمكن الإجابة عنه إلا عمليًا.