إن عدم تجاوز نسبة 50% في استثمارات الأموال العربية ليس وليد الصدفة، فهو أمر مدروس ومخطط، ولعل ذلك ما أوضحته دراسة «أميرة الحداد» والتي جاء فيها: «لقد وضعت الدول الصناعية مجموعة من الإجراءات تهدف إلى احتواء الموارد المالية العربية في الاتجاه الذي يخدم مصالحها فقط، وإلى تحقيق عملية التدوير المنشودة لتلك الموارد المالية، ووضعها في القنوات التي تعزف عنها رؤوس الأموال الوطنية الأوروبية والأمريكية، وعدم سيطرتها على أية نشاطات مهمة ومربحة» (2) .
نريد أن يقف المستثمر العربي مع نفسه قليلًا؛ فهو يضع الأموال التي استخلفه الله فيها في بلاد الغرب؛ حيث لا شريعة تضبط قنوات العمل، ما الذي يمنع الأموال العربية من أن يتم استثمارها في أحد مصانع الخمور، أو في بث القنوات الإباحية، أو في إقامة الملاهي الليلية، أو إقامة مدن كاملة تضم بيوت الدعارة.. هل يستطيع المستثمر العربي أن يمنع ذلك؟
* مخاطر تهدد الأموال العربية:
تتعرض الأموال العربية في الخارج لمخاطر عدة؛ أهمها سياسة التجميد التي تستخدمها أمريكا كورقة سياسية مربحة، وهي ليست وليدة أحداث سبتمبر، ولكنها سياسة قديمة تستخدم مع من يخالف قواعد اللعبة، ولعل ما يوضح ذلك أنه في 7 نوفمبر عام 1989م أفرج الرئيس الأمريكي عن 570 مليون دولار ودائع إيرانية مجمدة (3) ، هذا بالإضافة إلى ما حدث للأموال العراقية من تجميد. وسياسة التجميد لا تقوم بتنفيذها أمريكا وحدها بل تساعدها أوروبا؛ فقد قامت البلدان الأوروبية بتجميد أموال عربية (يُشك) في أن أصحابها ينتمون لمنظمات إرهابية! وذلك أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وقد نقلت صحيفة «الفايننشال تايمز» عن «بول أونيل» وزير الخزانة الأمريكي الذي وصل في زيارة إلى أوروبا قوله: «إن هذا المستوى من تجميد الأموال يعكس مستوى التعاون الكبير من البلدان الأوروبية مع أمريكا» (4) .
يقول الدكتور مصطفى الفقي: «إن رأس المال العربي المهاجر يتعرض لتهديدات المصادرة بدعوى العلاقة بمنظمات الإرهاب، وما تم تجميده بلغ حتى الآن 400 حساب شخصي ومؤسسي» (5) .
إن القضية ليست قضية استثمار وأرباح، ولكنها يجب أن تكون قضية ميزان نقيس به المكسب والخسارة؛ ليس بمنظور الدنيا فقط ولكن بمنظور الدنيا والآخرة.
هناك من لا يعلم أن أمواله تستثمر بصورة غير مقبولة، وأحسب أن هؤلاء ستكون نتيجة توقفهم مع أنفسهم مجزية بإذن الله، وهناك من يعلم، وأيضًا نحسن الظن بردود أفعالهم.. نقول لجميع الأطراف إلى متى تكتنزون وقد يكون العمر تقدم بكم! وتسوِّغون أعمالكم بأنها من أجل الأبناء والأحفاد..! نقول لكل (ثري) : هل بلغت في شهرتك وثروتك (أسطورة أوناسيس) أسطورة القرن العشرين؟!.. ماذا حدث لثروة أوناسيس؟ اكتنزها أوناسيس من أجل أبنائه وأحفاده، مات ابنه الوحيد في ريعان شبابه في حادث طائرة وفي حياة والده، ثم ماتت ابنته الوحيدة في حمام منزلها (شبهة انتحار) بعد إصابتها بالاكتئاب النفسي نتيجة إخفاقها في أربع زيجات، وبقيت أثينا حفيدة أوناسيس لابنته لتؤول إليها ثروة جدها بالكامل.
* انعكاسات الغربة:
هروب الأموال العربية أحدث قصورًا في التمويل؛ مما نتج عنه فراغ اقتصادي واجتماعي داخل المجتمع نتج عنه مشكلات اقتصادية واجتماعية كثيرة، لكن كان لا بد من إشباع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية؛ فماذا حدث.. دعونا نرى بعض أشكال الحلول التي قدمت:
1 -مأساة الديون: غرقت كثير من الدول العربية في الديون مركبة الفائدة؛ وجميعنا يعلم ما أحدثته الديون الربوية بنا. وتبلغ ديون الدول العربية 159 مليار دولار، تم تخفيضها في مايو 2002م إلى 144 مليار دولار (1) . بالمقارنة لما للعرب في الخارج لا تستحق كلمة (ديون عربية) كل الهالات والانكسارات التي تثار حولها مع كل موقف تذكر فيه.
2 -الاستثمارات الأجنبية في المنطقة: حيث المجال خصب لأن تفرض تلك الاستثمارات نفسها وهي لها مخاطر عدة؛ لعل أهمها:
أ - عدم اكتمال دائرة الأموال المحلية؛ فما تدفعه من أموال لا يعود عليك بأي نفع اقتصادي أو اجتماعي؛ لأن نهاية الدائرة المالية في بلد المستثمر وليس في بلدك، وهنا تبرز أهمية المقاطعة، ولكن في الوقت نفسه لا بد من التنشيط الاقتصادي المحلي وإلا حدث انهيار اقتصادي.
ب - الانسحاب المفاجئ لهذه الاستثمارات من المنطقة العربية ينتج عنه انهيارات اقتصادية داخلية نظرًا لتشعبه في صناعات حيوية عندنا.
يوضح النقطتين السابقتين ما جاءت به دراسة د. محمد الصطوف؛ حيث يقول: «إن الاستثمار الأجنبي لا يأخذ بعين الاعتبار تحقيق تنمية اقتصادية في الدولة التي يدخلها، ويهتم فقط بالأرباح والعوائد التي يمكنه تحقيقها وإن كان ذلك على حساب الاستقرار والتوازن الاقتصاديين» (2) .
3 -المعونات: يقول الرئيس نيكسون بصورة قاطعة في حديثه في عام 1968م خلال حملته الرئاسية:
(يجب أن نتذكر أن الغرض الرئيس للمعونة الأمريكية ليس مساعدة الشعوب ولكن مساعدة أنفسنا) (3) .