هذه الفرضية ربما تؤيدها عدة شواهد؛ ففي الندوة التي عقدها رؤساء المؤسسات الصناعية التونسية في خريف عام 1985م؛ ذُكر أن إجمالي فائض العائدات البترولية العربية المستثمرة حتى أواخر عام 1985م يقدر بـ 600 مليار دولار تقريبًا، وأن بلدان العالم الصناعي الرأسمالي تستأثر بحوالي 82% منها.
بتحليل ذلك يتضح الآتي:
أولًا: هذه الأرقام خاصة بقطاع البترول فقط دون حساب باقي القطاعات في الدول العربية، لكن فلنتجاوز هذه النقطة على الرغم من أهميتها.
ثانيًا: هذه الأرقام كانت في نهاية عام 1985م، ولو اعتبرنا أن 82% من 600 مليار دولار؛ أي 500 مليار دولار أمريكي تقريبًا مستثمرة خارج المنطقة العربية منذ 17 عامًا، وبافتراض أن متوسط ريع هذه الأموال 20%؛ يكون ناتج ريع رأس المال مضروبًا في عدد السنوات هو 1700 مليار دولار، وإضافة إلى المبلغ الرئيس 500 مليار دولار يكون الناتج 2200 مليار دولار تقريبًا.
أيضًا من ضمن الشواهد التي تؤيد الفرضية التي وضعناها: تصريح مدير عام «المؤسسة العربية للاستثمار» الذي ذكرناه في البداية، كان مجموع الأرصدة العربية المستثمرة في الخارج حوالي 850 مليار دولار في نهاية عام 1994م، فلو تم ضرب المبلغ في صافي ربح 20%، ومضروب في 8 سنوات (1995 - 2002م) ؛ يكون الناتج 1360 مليار دولار، أضف إليه المبلغ الرئيس 800 مليار؛ يكون الناتج 2160 مليار دولار، وهو رقم لا يفترق كثيرًا عما توصلنا إليه قبل قليل وهو 2200 مليار.
ها هنا بعض التعليقات على الحسابات آنفة الذكر:
1 -لم يتم سحب أجزاء تذكر من رؤوس الأموال العربية خلال السنوات السابقة (بغضِّ النظر عن الجزء الذي سحبته دول مجلس التعاون الخليجي(20 مليار دولار) ، وذلك في أعقاب 11 سبتمبر، كما جاء على لسان «حسام حطيني» مدير معرض ومؤتمر المال والاستثمار (1) . وهذه خطوة نحسبها مباركة، ونأمل أن يحذو حذوها باقي المستثمرين العرب)، ولو كان حجم ما سحب في السنوات السابقة كبيرًا لشعرنا بأثره في مجتمعاتنا.
2 -لم يتم حساب التحويلات الجديدة من المنطقة العربية إلى الدول الأجنبية؛ سواء منذ عام 1986 أو 1995م حتى الآن.
3-إذا أثيرت قضية حجم ما يخسره العربي في الخارج تزيد المأساة بشكل يفوق التصور.
ما يمكن قوله إن الأرقام الصحيحة قد تزيد كثيرًا عما يثار، وبهذا فمن المحتمل أن تكون الفرضية التي وضعناها أقرب للصحة.
كسر حاجز الـ (2000 مليار) اقتربت منه الدكتورة سلوى حزين رئيس مركز «واشنطن للدراسات الاستراتيجية» بالولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث أكدت أن الأموال العربية تصل إلى تريليونين دولار (2000 مليار دولار) ؛ تتمثل في أرصدة بعض الحكومات العربية، واستثمارات الأفراد والقطاع الخاص. وتقول إن معظم هذه الأموال يتم استثمارها في الولايات المتحدة الأمريكية (2) . قد يسأل سائل: أين هؤلاء الذين يملكون كل هذه الأموال؟ نجد الجواب عند عضو مجلس الشعب المصري في التقرير السابق ذكره.
إن إشكالية حجم الأموال العربية في الخارج إشكالية معقدة، والجزم برقم محدد أمر من الصعوبة بمكان، وما توصلنا إليه هو استدلال منطقي، وهو يوضح صعوبة اعتماد رقم أقل من الـ (2000 مليار دولار) ، لكن هناك من قد يختلف معنا ومن ثم يقدم تقديرات أدق، وأحسب أن الساحة مفتوحة لعرض جميع الآراء.
ننتقل الآن للحديث عن طبيعة الاستثمارات التي تعمل فيها الأموال العربية في الخارج.
* طبيعة الاستثمارات العربية في الخارج:
تستثمر الأموال العربية المهاجرة أو تستقر في إحدى القنوات الرئيسة الآتية:
1-ودائع مختلفة الآجال في المصارف التجارية العالمية.
2-سندات حكومية.
3-سندات شركات تجارية.
4-أسهم الشركات التجارية.
5-أذون الخزانة.
6-شراء العقارات والذهب.
7-استثمارات في المؤسسات المالية الدولية.
8-قروض إلى الحكومات والهيئات الدولية.
هذا بالإضافة إلى مجموعات من القنوات الفرعية.
ويؤكد كثير من الاقتصاديين أن استثمار تلك الأموال بالأشكال سالفة الذكر لا يمثل حصة مسيطرة على المشروع؛ مما ينعكس على نشاطه وإدارته، ولعل هذا يتضح مع قول السيناتور (حسن حسني فهمي) كبير مستشاري ولاية «بروسبيكت بارك» ، وعضو مجلس النواب الأمريكي، والذي صرح بأن هناك استثمارات عربية في وسائل الإعلام داخل الولايات المتحدة إلا أن النسبة الكبرى تكون لليهود؛ ولذا تسهم هذه الوسائل في تشويه صورتنا، ويرى أنه من الجدوى أن يسحب العرب والمسلمون استثماراتهم المحدودة في هذه الوسائل، ويستثمرونها في محطات أخرى تكون نسبة رأس المال العربي فيها أكثر من 50%؛ وبذلك يكون لهم حق تحديد توجه المحطة الإعلامية، ويصبح من السهل علينا تصحيح صورتنا مثلما يفعل اللوبي اليهودي (1) .