فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 830

وتسب الرسول ، تدع الصلاة ونعطيك كذا وكذا ، تستحل الزنا ، تستحل الخمر ، ونعطيك كذا وكذا ، فيبيع دينه بعرض من الدنيا ، ويصبح كافرا ، أو يمسي كذلك أو يقولوا: لا تكن مع المؤمنين نعطيك كذا وكذا لتكون مع الكافرين ، فيغريه بأن يكون مع الكافرين وفي حزب الكافرين ، وفي أنصارهم ، حتى يعطيه المال الكثير ، فيكون وليا للكافرين ، وعدوا للمؤمنين ، وأنواع الردة كثيرة جدا ، وغالبا ما يكون ذلك بسبب الدنيا ، حب الدنيا وإيثارها على الآخرة ، لهذا قال: « يبيع دينه بعرض من الدنيا » (1) وفي لفظ آخر: « بادروا بالأعمال الصالحة ، هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا ، أو موتا مجهزا ، أو مرضا مفسدا ، أو هرما مفندا ، أو الدجال شر غائب ينتظر ، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر » (2) المؤمن يبادر بالأعمال ، يحذر قد يبتلى بالموت العاجل ، موت الفجأة ، قد يبتلى بمرض يفسد عليه قوته ، فلا يستطيع العمل ، يبتلى بهرم ، يبتلى بأشياء أخرى ، على الإنسان أن يغتنم حياته وصحته وعقله ، بالأعمال الصالحات ، قبل أن يحال بينه وبين ذلك تارة بأسباب يبتلى بها ، من مرض وغيره ، وتارة بالطمع في الدنيا ، وحب الدنيا ، وإيثارها على الآخرة ، وتزيينها من أعداء الله ، والدعاة إلى الكفر والضلال .

(1) صحيح مسلم الإيمان (118) ، سنن الترمذي الفتن (2195) ، مسند أحمد (2/390) .

(2) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد ، باب ما جاء في المبادرة بالعمل برقم 2306 .

غربة الإسلام

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1474)

وليد بن إدريس المنيسي

مينيسوتا

دار الفاروق

الخطبة الأولى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

-روى البخاري عن عبد الله بن عمر أن النبي أخذ بمنكبه وقال له: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك) .

وفي لفظ: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعُدَّ نفسك في أهل القبور ) ).

-قال ابن حجر: شبه الناسك السالك بالغريب ثم ترقى إلى عابر السبيل، لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع، وبينهما أودية مردية ومفاوز مهلكة وقطاع طريق، فإن من شأنه ألا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة.

-وقال النووي: معنى الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه.

-ومراد ابن عمر بوصيته التي أوصى بها عقب رواية الحديث: (وخذ من صحتك لمرضك) أن يبادر المسلم إلى اغتنام الأوقات في الأعمال الصالحات لأنك تستطيع من الأعمال الصالحة في حال الصحة ما لا تستطيعه في حال المرض، وفي حال الغنى ما لا تستطيعه في حال الفقر، وهو مستفاد من قول النبي فيما رواه الحاكم عن ابن عباس أن النبي قال لرجل وهو يعظه: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) ) [صححه الألباني] .

-وقوله: (( وعُدَّ نفسك في أهل القبور ) )أي استعد للموت وقصّر الأمل وهو ما شرحه ابن عمر رضي الله عنهما بقوله: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) .

-من فوائد الحديث العظيمة أن المسلم يعيش في الدنيا كالغريب بين قوم يخالفونه في الدين وفي الأخلاق والعادات واللغة وغير ذلك.

وذلك أن غربة الإسلام نوعان:

1-غربة المسلمين بين الكفار، كما قال: (( أنتم في أهل الشرك كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ) ).

2-غربة المتمسكين بالسنة والعاملين بدينهم بين المنتسبين إلى الإسلام ممن لا يعملون به ولا يتمسكون بالسنة، كما قال سفيان الثوري وهو بالكوفة إذا بلغك عن رجل بالمغرب أنه من أهل السنة فأقرئه مني السلام فإن أهل السنة غرباء.

-وغربة الإسلام هي التي أشار إليها النبي في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: (( بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء ) ). وطوبى مصدر من الطيب أو هي شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة سنة.

-وقد جاء في روايات صحيحة لهذا الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي فقالوا: من الغرباء يا رسول الله، فقال: (( الذين يَصْلحون إذا فسد الناس ) )وفي رواية ثانية: (( الذين يُصلِحون ما أفسد الناس من سنتي ) )وفي رواية ثالثة: (( أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ) ).

ويستفاد من مجموع هذه الروايات أن الغرباء هم الصالحون في أنفسهم الذين يُصلحون غيرهم وذلك بإظهارهم دينهم وتمسكهم به ودعوتهم إليه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت