-هؤلاء الغرباء هم الفرقة الناجية التي جاء ذكرها في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي قال: (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الجماعة ) ). وفي رواية صححها الألباني: (( الذين هم على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) )وهذا تفسير للمراد بالجماعة، وروى اللالكائي بسند صححه الألباني في السلسلة الصحيحة عن عبد الله بن مسعود قال: (الجماعة من كان على الحق ولو كنت وحدك) .
وذلك لأن المراد جماعة النبي وأصحابه، فمن سار على طريقتهم بعد ذلك في آخر الزمان فهو من هذه الجماعة حتى لو خالف أهل زمانه لكونهم تركوا ما عليه النبي وأصحابه.
-وهؤلاء الغرباء أيضًا هم الطائفة المنصورة التي جاء ذكرها في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عمر ومعاوية رضي الله عنهما أن النبي قال: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة وهم ظاهرين على الناس ) ).
وظهورهم على الناس إما أن يكون بالسيف والسنان وإما أن يكون بالحجة والبيان.
قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلست أدري من هم؟ والمراد بأهل الحديث المتمسكون بما كان عليه النبي وأصحابه.
-أيها المسلمون: إن غربة الإسلام اليوم لا تخفى مظاهرها على أحد، فأكثر بلاد المسلمين اليوم قد غاب عنها الحكم بما أنزل الله وصار من يدعو إلى ذلك في بلاد الإسلام غريبًا، وفشا فيهم بناء المساجد على القبور والاستغاثة بالأموات والذبح لهم والنذر لهم إلى جانب فشو الربا والزنا وسائر المنكرات، فيا شديد الطول والإنعام، إليك نشكو غربة الإسلام.
-ولكن في الأحاديث التي ذكرناها وغيرها بشارات وأمل، ففيها أن الله تعالى قد حفظ هذا الدين، وأنه لابد وأن تظل طائفة من المسلمين ظاهرين على الحق، فعلى كل مسلم أن يحرص على أن يكون من هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
-وقد أخبر النبي أنه في آخر الزمان ستعود الخلافة على منهاج النبوة، وأنه لن يبقى في الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله في الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز به الإسلام وأهله، وذلًا يذل به الشرك وأهله، وهذه انتصارات المجاهدين في الشيشان تتتابع وتبشر بالنصر القريب، وكذلك بدأت الصحوة الإسلامية في جميع البلدان وأقبل المسلمون على دينهم فالحمد الله.
-من مظاهر غربة الإسلام في آخر الزمان:
روى مالك في الموطأ والبخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن مسعود قال: (إنكم في زمان كثيرٌ فقهاؤه، قليلٌ خطباؤه، كثيرٌ معطوه قليلٌ سُؤّاله، العمل فيه قائد للهوى، وسيأتي بعدكم زمان كثيرٌ خطباؤه، قليلٌ فقهاؤه، كثيرٌ سُؤاله، قليلٌ معطوه، الهوى فيه قائد العمل، اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل) .
قال الحافظ في الفتح: وسنده صحيح ومثله لا يقال من قبل الرأي. قال ابن عبد البر: هذا الحديث روي عن ابن مسعود من وجوه متصلة حسان متواترة، والعيان في هذا الزمان على صحة معنى هذا الحديث كالبرهان.
-المطلوب من الغرباء أن يتعارفوا ويتقاربوا ويتعاونوا على أمور غربتهم، فإذا كانت غربة الدنيا تجعل الغرباء يفعلون ذلك فغربة الدين أولى كما قال القائل:"فكل غريب للغريب نسيبُ"والحمد لله رب العالمين.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1903)
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، في صحيح مسلم عنه قال: (( بدأ الدين غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء ) ) (1) [1] وفي بعض الألفاظ: قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: (( الذين يصلحون ما أفسد الناس، أو يصلحون إذا فسد الناس ) ) (2) [2] .
أيها المسلمون، بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق، بعثه رحمةً للعالمين، بعثه وقد عمّ الأرض جهل عظيم، وضلال مبين، نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، بعثه على حين فترة من الرسل، واندراس من العلم والهدى، بعثه وأهل الأرض في ضلال، ما بين أهل كتاب قد حرّفوا كتبهم، وزادوا ونقصوا، وما بين عربٍ عبدة أوثان وأشجار وأحجار، وما بين عبدة النيران من المجوس وأمثالهم، بعث الله محمدًا بهذا الدين الحنيف، بعثه بتوحيد الله وعبادته، كما بعث من قبله من الأنبياء والمرسلين، بعثه رحمةً للعالمين برسالة إلى عموم الخلق كلهم، عربهم وعجمهم، إنسهم وجنهم، واختار الله لمبعثه مكة أم القرى شرفها الله، فابتدأ دعوته بقومه العرب يدعوهم إلى توحيد الله، وإخلاص الدين لله، وإفراد الله بجميع أنواع العبادة، فما كان منهم إلا أن أنكروا دعوته، وردوا عليه دعوته وكذّبوه وقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ الهًا واحِدًا إِنَّ هَاذَا لَشَىْء عُجَابٌ [ص:5] ، مَا سَمِعْنَا بِهَاذَا فِى الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَاذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ [ص:7] .