فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 830

نعم، إنه بعثه لقوم ما أتاهم من نذير من قبله، وما عرفوا الحق قبل أن يأتيهم، بعثه ليدعوهم إلى الله، فابتدأ دعوته، وما استجاب له إلا الواحد تلو الواحد، وقومه قد ناصبوه العداوة، لما رأوه عاب أصنامهم، عاب آلهتهم، سب أوثانهم، انتقد ما عليه أسلافهم، من الضلال المبين، فكان الإسلام إذ ذاك غريبًا، كان غريبًا وحُقَّ له أن يكون غريبًا، فالأعداء كثيرون، والمستجيبون قليل، ومن استجاب تحمّل كل الأذى، وتعرّض لأنواع التعذيب من قريش، فمن أسلم آذوه وعذبوه، وألحقوا به أنواع العقوبة. كل ذلك لأنهم لم يؤمنوا بهذا الدين، ولم ينقادوا له، فكان الإسلام إذ ذاك بمكة غريبًا، كان غريبًا بقلة الأتباع، وقلة الأنصار، ومن يحمي هذه الدعوة ويؤيدها، ومحمد صابر محتسب يصبر على كل الأذى، والله يثبت قلبه ويقول له: وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِى هَاذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120] ، ويقول له: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ [الأحقاف:35] .

فمضى في دعوته إلى الله سِرًا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، فما يستجيب إلا القليل، ومن منكر ومكذب، ومقابل بالسوء، وهو صابر محتسب، يرجو من الله هدايتهم وبصيرتهم، جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق على أهل مكة أخشبيها، لما بلغ الأذى منهم ما بلغ، فقال: (( أتأنَّى بهم، فلعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا ) ) (3) [3] .

أذن الله له فهاجر إلى المدينة، وعند ذلك وجد النصرة والتأييد من الأوس والخزرج، فحموه وحموا دعوته، رضي الله عنهم وأرضاهم، وتلقوا المهاجرين، وواسوهم بأنفسهم وأموالهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فاستقر قراره بالمدينة. ففي المدينة كملت شرائع الإسلام من أول ما قدمها إلى آخر عام من حياته فقد أكمل الله له الدين، وأتم به النعمة، ورضي به الإسلام دينًا، ففرضت الفرائض، وشرعت الأحكام والحدود، وما توفي إلا وجزيرة العرب قد انقادت له بأسرها، وعمّها الإسلام، واختفى الشرك والضلال، وأصبح الإسلام قويًا عزيزًا، ثم حمله أصحابه بعده إلى أرجاء المعمورة، فنصر الله دينه، وأعلى كلمته، وتحقق قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:9] .

فعاش المسلمون بهذا الدين في قوة وعزة يحكمون شرع الله، ويتحاكمون إليه، ويقيمون حدوده، وينفذون أحكامه، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والإسلام في عزة وقوة ومنعة، ولكن ما زال النقص يدب إلى المسلمين قرنًا بعد قرن، إلى أن وقع في المسلمين ما وقع من التفريط في دين الله، وتضييع شرع الله، وعدم القيام بهذا الواجب، ولهذا قال: (( لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، قال: حتى تلقوا ربكم ) )، قال أنس: سمعته من نبيكم (4) [4] .

فما زال الضعف يسري في الأمة، قرنًا بعد قرن، إلى أن وقع في الأمة ما وقع من الشرك بالله والكفر به والإعراض عن دينه، وابتغاء نظم غير نظام الإسلام، وقوانين غير أحكام شريعة الله، ولهذا قال: (( وسيعود غريبًا كما بدأ ) )، أي يعود الإسلام غريبًا بين أهله، كما بدأ غريبًا في مبدئه؛ أولًا غربته لجهل الناس به، وغربته الثانية لإعراض الناس عنه، فلما أعرضوا عنه وتجاهلوه وانصرفوا عن أحكامه، صار الإسلام بينهم غريبًا.

حقًا إنه غريب بين كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام، الإسلام غريب في كثير من العالم المنتسب إلى الإسلام، الإسلام غريب بينهم، الإسلام لا قيمة له بينهم، الإسلام قد عُزِل عن نظم الحياة، فلا يلتفت إلى أحكامه، ولا يقام وزنٌ لنظمه وآدابه، وإنما اكتفوا بالانتساب إلى الإسلام اسما مع تعطيل أحكامه، وعدم المبالاة به في المعاني، ولا شك أن تلك المصيبة، فغربة الإسلام بين أهله أن لا يحكّم، أن لا تنفذ أحكامه، أن لا تقام حدوده، أن لا يتأدّب بآدابه، أن لا يتخلّق بأخلاقه، أن يبعد عن نظم الحياة وعن الأخلاق والسلوك.

إن المسلم وهو يتأمل حال كثير من المسلمين، للأسف الشديد يرى الإسلام غريبًا بين أهله، إن جئت في باب توحيد الله وعبادته وإخلاص الدين له، وجدت كثيرًا من عالمنا الإسلامي مخالفين لذلك، لو قام قائم يقول لهم: اعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، لآذوه، وقالوا: هذا المبتدع، وهذا الذي أتى بقول خارج عن الخير، وإلى آخر ذلك، ولذا يقول الله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45] ، فإذا ذكرت توحيد الله، وإخلاص الدين لله، وأن أموات القبور لا ينفعون داعيهم، لا يسمعون دعاءه، ولو سمعوا ما استجابوا له و لا يعلمون حاله، لأنكروا عليك ذلك، وقابلوك بالعداوة والبغضاء، وقالوا: تسبّ الصالحين، وتعيب الصالحين، وتستنقص الأولياء، إلى غير ذلك مما زيّن لهم الشيطان، وحسّن لهم من الباطل، حتى رأوا الباطل حقًا والحق باطلًا، ولا شك أن هذه من غربة الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت