فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الإسلام الذي جاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعله خلقًا لهذه الأمة كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104] ، إذا ذكرت ذلك عابوك؛ لأنهم يرون المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، قد انقلبت الحقائق، انعكست الفطر، فصار المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا وتلك المصيبة العظيمة.
غربة الإسلام بين أهله، حتى في الصلوات الخمس، فكثير من عالمنا الإسلامي، الصلوات الخمس لا تقام على الحقيقة، مساجد معمورة، ولكنها خراب من قلة المصلين، لا بصيرة ولا علم عندهم بهذه الصلاة، إنما يصليها أفراد من الناس والمعظم معرضون عنها، ولا شك أنها من غربة الإسلام والعياذ بالله.
غربة الإسلام أيضًا - أيها المسلمون - غربة الإسلام بين أولئك، إذا نظرت إلى أحكام الشريعة، وقد عُطّلت أحكام الشريعة، وتحوكم إلى القوانين الوضعية، وعوديت أحكام الشريعة عن التحاكم إليها، وإنما يتحاكم الناس ويحكّمون نُظمًا غربية، جاؤوا بها من أعدائهم، حكّموها وتحاكموا إليها، فلا حدود تقام، ولا قصاص يقام، ولكنها الأحكام الوضعية المشتملة على الظلم والعدوان، وأكل أموال الناس بالباطل.
غربة الإسلام في التعامل، فالمعاملات الإسلامية التي جاء بها محمد ، تلك النظم الخالية من الظلم والغرر والغش والخداع، المعاملات الشرعية المبنية على العدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه، رأيت الإسلام غريبًا بين أولئك، رأيت المعاملات الربوية وما لها من الشأن الكبير، رأيت المعاملات الربوية وكيف سرت في عالمنا الإسلامي، حتى يتصور البعض أنه لا يمكن أن يعيش إنسان بلا ربا، ولا يمكن لأي اقتصاد أن يقوم بلا ربا، ولا يمكن أي مجتمع أن يعيش بلا ربا، فأصبح الربا يرونه ضرورة من ضروريات الحياة، وإذا قلت لهؤلاء: هذا الربا حرمه الله، ولعن النبي آكله ومؤكله وآذن الله أكلته بالحرب، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] ، وأن الربا ممحق للبركة يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوااْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] ، وحذرتهم من ذلك، قالوا: أنت إنسان تعيش في قرون ماضية، وقرون خالية، وعقول جامدة، لا تفهم الحياة، ولا تعرف قدرها. لماذا؟ لأنك قلت: الربا حرام، وقلت لهم: إن المعاملات يمكن أن تقوم بلا ربا، بل لو عطّل الناس الربا لرأوا في المعاملات الشرعية ما فيها من العدل والإنصاف، وعموم النفع لكل البشر، ولكن الإسلام غريب بين هؤلاء، يرون الربا أمرًا ضروريًا لا بد منه، وأن التخلي عن الربا انعزال عن اقتصاد العالم، وهو [انفصال] عن العالم؛ لأن الإسلام غريب في هذه المعاملات، المعاملات الإسلامية المبنية على العدل والإنصاف تكون غريبة بين المجتمعات الذين لا يريدون إلا معاملةً ربوية قائمة على الظلم والعدوان.
إن أولئك إذا ناقشتهم في كل المعاملات الشرعية قالوا: إنك إنسان لا تفهم الحياة، صار الدين غريبًا في تلك المعاملات لأنهم عزلوا الإسلام عن نظم الحياة، واستبدلوا بها نظمًا جاهلية هي غربية من حيث تأسيسها، فهم لا يرون المعاملات الشرعية، لا يرونها حقًا، وإنما يرونها أمورًا انتهت، فأصبح الإسلام غريبًا في تلك المعاملات.
في باب الأخلاق والسلوك الإسلام غريب بين كثير من عالمنا الإسلامي، الإسلام جاء بالأخلاق الفاضلة، جاء بالفضائل، وقطع أسباب الشر والفساد، وحارب الفساد والمفسدين، ولكن أولئك الإسلام غريبٌ بينهم، إذا قلت لهم: الإسلام حرّم القمار، حرّم الميسر، حرّم القمار لما فيه من الظلم والعدوان، أنكروا عليك وقالوا: تلك أمور لا بد منها، فالإسلام غريب بينهم. إن قلت لهم: إن الإسلام أوجب على المرأة الحجاب لتكون امرأة مسلمة صيّنة عفيفة بعيدة عن الاختلاط بالرجال قالوا: هذا كلام لا يصلح، وأنت عزلت نصف المجتمع، وشللت المجتمع من نصفه، وإن المرأة لا بد أن تشارك الرجال، ولا بد أن تخالطهم، ولا بد أن تعيش معهم، وإن الحجاب يشوّه المرأة، ويقبّح منظرها، فلا بد أن تسفر عن وجهها، ولا بد أن تخالط الرجال، ولا بد أن تسافر وحدها، وتتنقّل وحدها، دون أي رقيب أو ملاحظ عليها؛ لأنهم يرون ما جاء به الإسلام من آداب المرأة المسلمة بإلزامها الحجاب، وحثها على ذلك، وأمرها بالصيانة والعفة والبعد عن هذه الرذائل، يرون ذلك منقصة في حق المرأة، وهوانًا للمرأة، طاعةً لأعداء الإسلام الذين يريدون تجريد المرأة المسلمة من كل أخلاقها وقيمها وفضائلها، فالإسلام غريب بين هؤلاء.
من يقول إن اختلاط الجنسين ضرر وفساد في الحاضر والمستقبل هو غريب بين من تشبعوا بتلك الأفكار السيئة، والآراء المضللة، الذين يريدون منها مسخ فطرة المسلمة وتحويلها من امرأة مسلمة متمسكة بدينها إلى امرأة غربية منحلة من كل قيم وفضائل.