فهرس الكتاب

الصفحة 513 من 830

عندئذ يبحث عن الحكم الشرعي الذي ينطبق على العقد إن كان بسيطًا وعلى أجزائه إن كان مركبًا مستعرضًا الأدلة على الترتيب من نصوص وظواهر إن وجدت و إلا فاجتهاد بالرأي من قياس بشروطه واستصلاح واستحسان إنها عملية مركبة وصنعة بالمعنى الآنف كما سترى.

وباختصار فإن مرحلة التشخيص والتكييف للموضوع مرحلة معقدة وكذلك مرحلة تلمس الدليل في قضايا لا نص بخصوصها ولا نظير لها لتلحق به.

وسنرى من خلال مباحث هذا الكتاب كيف تطورت صناعة الفتوى من عهد الصحابة إلى عهود الأئمة المجتهدين والفقهاء المقلدين لا من حيث تطبيق النصوص أو الأدلة على القضايا ولكن أيضا من حيث التوسع في الاستدلال والتعامل مع عامل الزمان كمرجح في ميزان معادلة النص والواقع في جدليتي المقاصد الكلية العامة والأحكام الجزئية الخاصة.

هذا التطور المتدرج في خطوط متعرجة لم يقتصر على الدليل والواقع وإنما شمل أيضا القائم على الفتوى الذي لم يعد المجتهد المطلق على ما سنصف بل يصبح طبقًا لقانون الضرورة والحاجة الفقيه المقلد الناقل.

ويصبح اختيار المقلدين بمنزلة اجتهاد المجتهدين فيما سماه المالكية"بإجراء العمل"لترفع القول الضعيف إلى مرتبة القوي والرأي السقيم إلى درجة الاجتهاد الصحيح بناء على مصلحة متوخاة أو مفسدة متحاماة.

ذاك ما سميناه صناعة الفتوى.

ما به الفتوى من الأدلة في عهد الصحابة: وأسباب الاختلاف

إن الفتوى لابد أن تعتمد على دليل منصوص في الأصلين الكتاب والسنّة أو مستنبط منهما بالاجتهاد على حد الترتيب الذي ورد في حديث معاذ - رضي الله عنه -.

1.فبالنسبة للكتاب لا خلاف يعترى العمل به إلا فيما يتعلق بدلالة اللفظ وسنتحدث عنها في حلقة لاحقه.

2-السنة:

أما بالنسبة للسنة فإننا سنشير إلى خلاف ظهرت بوادره في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وهو: الموقف من خبر الواحد، والغالب على الصحابة العمل بخبر الواحد: وسنكتفي بكلام للإمام المازري في شرحه للبرهان حيث يقول عن رجوع الصحابة إلى خبر الواحد:

فمن ذلك رجوع الصحابة في أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لا يورث إلى خبر الصديق رضي الله عنه بذلك.

ورجوعهم لمّا اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين إلى أزواج النبي عليه السلام .

ورجوعه أيام الطاعون إلى خبر عبد الرحمن بن عوف.

وهكذا أيضا رجع إلى خبره في أخذ الجزية من المجوس لمّا أخبر بقوله عليه الصلاة والسلام: سُنُّوا بِهُم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ". ( الموطأ) "

وهكذا رجع رضي الله عنه في دية الأصابع إلى خبر عمرو بن حزم في الديات.

-ورجع أيضا عثمان بن عفان رضي الله عنه في خبر السكنى إلى الفريعة بنت مالك.

-ورجع عليُّ إلى خبر المقداد في خبر المذي.

وقد رجع ابن عمر رضي الله عنه في المخابرة إلى رواية رافع بن خديج.

ورجع زيد بن ثابت في جواز أن تنفر الحائض قبل طواف الوداع إلى الحديث الذي روي له في هذا.

وهذا لو تتبع خرج عن الحد والحصر وأنت إذا طالعت ما صنف في هذا من كتب المحدثين والفقهاء التقطت من هذا الجنس ما لا يكاد يحصى ومثل هذا يدل على أنهم رضي الله عنهم مجمعون على العمل بخبر الواحد لأن مثل هذه الكثرة من القصص لا تكاد تنكتم وتخفى فكانوا ما بين راو لخبر وعامل به ومسلم للرواية والعمل فصار ذلك منهم إطباقا على العمل إذ لو كان العمل به حراما لكانوا أجمعوا على خطأ ومعصية لأنهم ما بين عامل وراض بالعمل ومسلم له.

وهذه عمدة يعول عليها في إثبات العمل بخبر الواحد وهي معتمد الحذاق من الأصوليين.

وقد رويت أخبار تتضمن ردهم لخبر الواحد وهي سبب الاختلاف في إجراء الخبر مجرى الشهادة فلا يقبل فيه إلا اثنان.

وقد يتعلق بها أيضا من يُنكر العمل بخبر الواحد جملة وإن كان راوي الخبر رجلين ويرون ذلك دلالة سمعية ونحن نورد عليك الآثار التي تعلق بها هؤلاء ثم نجيب عنها:

فمن ذلك قولهم: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لمّا سأل عن ميراث الجدة فروى له المغيرة بن شعبة أن النبي عليه السلام أعطاها السدس لم يقبل ذلك منه حتى روى له محمد بن مسلمة أن النبي عليه السلام ورّثها.

وهكذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه رد خبر فاطمة بنت قيس في السكنى والنفقة.

ورد خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان عليه ثلاثا حتى أتى أبو سعيد الخُدري فأخبره بمثل خبره.

وهكذا رد عليّ رضي الله عنه الخبر الذي روي له في نكاح التفويض في قصة بروع بنت واشق.

وهكذا ردت عائشة خبر ابن عمر لمّا روى أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه.

وأجاب المازري بأجوبة عن هذه الأخبار وغيرها منها أنها تتعلق بشهادة يدفع بها المرء عن نفسه فلهذا احتيج إلى مزيد من الاستيثاق ويكفي - حسب رأينا- أن نقول: إنها وقائع أعيان لا عموم لها واستفاضة عملهم بخبر الآحاد يكفي في ترجيح العمل به.

3-الإجماع: كان الاهتمام به اهتمامًا بدليل لم يكن له رواج في الفترة النبوية لأنه لا يمكن أن يكون مرجعًا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد برزت بوادر العمل به في وقت مبكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت