فقد أخرج الدارمي عن ميمون بن مهران قال:كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به وإن لم يكن في كتاب الله وعلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع النفر كلهم يذكر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبيّنا.
فإن أعياه أن يجد فيه سنّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به. (1 /58) .
4-الاجتهاد
أما الاجتهاد بالرأي من قبل الصحابة فهو أمر شائع وذائع.
فقد فهموا: أن الشارع جوز لهم بناء الأحكام على المعاني التي فهموها من شرعه لقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: بم تحكم ؟ وتقريره على قوله: أجتهد رأيي. ولقوله لعمر:"أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ"؟ ولقوله للخثعمية:"أرأيت لو كان على أبيك دين"؟ ولقوله:"إنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ".
لهذا فإنّ أبا بكر رضي الله عنه كان يقول برأيه كما فعل في توريثه للجد وحجبه للإخوة فأنه قال فيه برأيه.
وقال أبو بكر رضي الله عنه:أقول في الكلالة برأيي.
وهكذا كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لشريح:"إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتك عنه الرجال ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاقض بها ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يتكلّم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت ، إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم وإن شئت أن تتأخر فتأخر."
وكان عمر مع ذلك يقول بالرأي ويحث عليه فيما ليس فيه كتاب ولا سنّة، فقد ذهب إلى زيد يطلب رأيه في الجد وكما في رسالته لأبي موسى الأشعري:"الفهم الفهم في ما أدلي إليك فما ليس في قرآن ولا سنّة ثم قس الأمور على ذلك واعرف الأمثال والأشباه ثم اعمل فيها بأحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق".
وقد ورث أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه تماضر الأسدية زوج عبد الرحمن بن عوف لأنه طلقها في مرض الموت وهو اجتهاد.
وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ألاّ تباع أمهات الأولاد وأرى الآن أن يبعن .
قال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب"الأصول الخمسة عشر": أربعة من الصحابة تكلموا في جميع أبواب الفقه وهم: عليّ وزيد وابن عباس وابن مسعود .
وهؤلاء الأربعة متى أجمعوا على مسألة على قول فالأمة فيها مجمعة على قولهم غير مبتدع لا يعتد بخلافه .
وكل مسألة انفرد فيها عليّ بقول عن سائر الصحابة تبعه ابن أبي ليلى والشعبي وعبيدة السلماني.
وكل مسألة انفرد فيها زيد بقول تبعه الشافعي ومالك في أكثره وتبعه خارجة بن زيد لا محالة.
وكل مسألة انفرد بها ابن مسعود تبعه علقمة والأسود وأبو أيوب. (الزركشي البحر المحيط 4/372)
وانتهى العلم بالأحكام الشرعية لستة من الصحابة عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبيّ وعبد الله بن مسعود وعليّ قاله مسروق .
وأكثر الصحابة إفتاء على الإطلاق ابن عباس قاله أحمد.
ويليه ستة عمر وعليّ وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة. قال ابن جزي يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم.
قال وتلا هؤلاء السبعة عشرون بحيث يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير وهم أبو بكر وعثمان وأبو موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاصي وسلمان وجابر وأبو سعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعمران بن حُصين وأبو بكرة وعبادة بن الصامت ومعاوية وابن الزبير وأم سلمة.
المكثرون من الفتيا: والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مائة ونيف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة وكان المكثرون منهم سبعة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر قال أبو محمد بن حزم ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم.
قال وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في عشرين كتابا وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.