أولا دراسة نماذج من فتاويهم للتعرف على القواعد والضوابط والأسس التي أقام عليها المفتون أحكامهم وفتاويهم في مختلف العصور ، وهي قواعد تنير دروب تطبيق النصوص على الوقائع المتجددة ، فقد كانت القواعد والمبادئ العامة خير معين على مقارعة صعاب النوازل وتقويم اعوجاج ملتويات المسائل . وهذه القواعد تتعلق برفع الحرج: المشقة تجلب التيسير ، والأمر إذا ضاق اتسع ، وجلب المصالح ودرء المفاسد ، ونفي الضرر وارتكاب أخف الضررين ، والنظر في المئالات ، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني ، وسد الذرائع وتحكيم العرف ، وتحقيق المناط والإذن في العقود وفي مدونات الفتاوى تطبيق حي للقواعد والضوابط على الواقعات نقتطف منه بعض الأمثلة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة ولا يحرم ولا يبطل إلاّ ما دلَّ للشرع على تحريمه نصًا أو قياسًا.
وقد قال الشاطبي: إن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يدل دليل على خلافه.
وسُئل الشاطبي رحمه الله عن الاشتراك في الألبان وخلطها لإخراج الزبد والجبن فتختلف النسبة ويجهل التساوي ، فقال إنه لا يعرف فيه نصًا بعينه ولكنه أجازه لقوله تعالى:"وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ"وذلك في شأن الأيتام واعتبر هذا النوع من الشركة من المخالطة رفعًا للحرج و اغتفارًا للغرر اليسير والربا اليسير قائلًا: وله نظائر في الشرع كبيع العارية بخرصها تمرًا أو رد القيراط على الدرهم في البيع"."
إنها أمثلة لتطبيق قاعدة رفع الحرج والتخفيف فيما يصلح الناس في مقابل المزابنة المحرمة بالنص وقد ذكر ذلك في مقابل قاعدة الشك في التماثل كتحقق التفاضل .
ثانيًا: الاستفادة من الفتاوى القديمة في القضايا المعاصرة
وذلك بالبحث عن بعض النوازل التي تشبه القضايا المعاصرة في وجه من الوجوه وصورة من الصور فيطبق عليها أو يستأنس بها لإيجاد حل للقضية المعاصرة . ومن الواضح أن كل زمان يطرح قضاياه ونوازله وبخاصة في زماننا الذي أمحت فيه الحدود وزالت فيه الحواجز ، وغزت العالم الإسلامي في عقر داره أعراف العالم الآخر ونظمه وقوانينه والمبادلات على أسس لا توافق في أحايين كثيرة الأسس الفقهية المعروفة . بيد أن الأمر ازداد تعقيدًا بظهور المخترعات العلمية الحديثة التي قطرت معها قطارًا من المسائل نشأت عن الحاجات التي أوجدتها لدى المجتمع كتلك المتعلقة بالطب من زراعة الأعضاء ونقلها ، إلى الهندسة الوراثية.
ولهذا فإن الفتاوى والنوازل القديمة قد لا تجدي فتيلًا في حل المسائل المعاصرة التي يمكن أن تحل من خلال القواعد كما أسلفنا ، ومع ذلك فإنه بإمعان النظر في كتب الفتاوى والعمل يستطيع المتوسم أن يعثر على فروع ومسائل تشبه تلك التي تطرحها المعاملات المعاصرة .
وينبغي التنبيه على أن دلالتها عليها قد لا تكون دلالة مطابقة ومفهومها قد لا يكون مفهوم موافقة ، بل إنها تدل عليها دلالة تضمن أو التزام بوجه من الوجوه وشكل من الأشكال تنبئ عما وراء الأكمة بدون غوص في مضامينها أو تعمق في محتواها غير ملتزم بترجيح وجه من أوجه الخلاف ، إذ أن المقصود إثارة الموضوع ليعلم أن له شواهد في النوازل تبيحه أم تحرّمه أو تحكي الخلاف فيه وهو أمر سيتيح للفقيه عندما يعالج أيًا من هذه النوازل سندًا يستند إليه ليرجح من الخلاف على أساس من المرجحات ويكفيه منقبة لهذا الخلاف أنه يرفع عن الباحث إصر مخالفة الإجماع ويسلكه في مسلك الإتباع .
السلم المتوازي:
من أسلم ذهبًا إلى شخص في قمح وباع منه قمحًا بذهب إلى أجل . فأجاب الفقيه ابن الحاج: (إن ذلك جائز إذا كان في صفقتين ولا يجوز إذا كان في صفقة واحدة لأنه ذهب وطعام بذهب وطعام ) ."المعيار6/162) ."
المؤجر يأخذ الأجرة مقدمًا لا يجب عليه دفع الزكاة إلاّ لما مضى من الزمان.
مسألة التسالف بين الأحباس وقول ابن حبيب في الواضحة إن الأموال المرصودة في وجه من أوجه البر يمكن أن تُصرف في أوجه أخرى من أوجهها ، وهذا يوسع على هيئات الإغاثة لتبادل الاقتراض ومساعدة بعضها البعض .
مسألة التضخم:
سُئل فقهاء طليطلة عمن أوصى لرجل بسكة فحالت السكة إلى سكة أخرى فشوور فيها فقهاء قرطبة فأجابوا بوجوب الوصية في السكة الجارية يوم مات الموصي لا يوم أوصى وأقاموها من مسألة الخيش والمسح والخريطة .
وذكر كلام المتيطي لو اكترى دارًا لكل شهر بكذا فاستحالت السكة وتمادى المكتري في السكنى حتى مضت مدة وكانت السكة التي استحالت إليها أحسن من القديمة التي عقد عليها الكراء ، فهل يجب للمكري على المكتري من القديمة أو من الحديثة ؟ فقال ابن سهل: له من السكة القديمة التي عقد عليها الكراء ، كما لاحجة لبعض على بعض بغلاء أو رخص لا يحتمل النظر غير هذا ولا يجوز على الأصول سواه. (المعيار6/228 وما بعدها)