فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 830

إن هذا المصطلح مصطلح حديث لم يكن معروفًا في الماضي وقد نشأ في القرن الماضي وتأكد في مطلع القرن الخامس عشر الهجري مع قيام الهيئات الإسلامية المهتمة بأوضاع الجاليات المسلمة والمجتمعات المسلمة في بلاد الغرب وفي مقدمة هذه الهيئات رابطة العالم الإسلامي وبعدها منظمة المؤتمر الإسلامي حيث استعملت كلمة الأقلية وهي ترجمة لكلمة minorite التي تعنى مجموعة بشرية ذات خصوصيات تقع ضمن مجموعة بشرية متجانسة أكثر منها عددًا وأندى منها صوتًا تملك السلطان أو معظمه.

وقد وقع جدل كثير حول هذه التسمية"فقه الأقليات"وبالإضافة إلى ما ذكرنا من الجواب فيجب أن نذكر أن الإضافة تقع لأدنى سبب كإضافة الضحى إلى العشية في قوله تعالى (إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) .

وقد حسم المجلس الأوربي هذا الجدل في دورته المنعقدة بدبلن.

واستقر المجلس على صحة استعمال مصطلح (فقه الأقليات) حيث لا مشاحة في الاصطلاح، وقد درج العمل عليه في الخطاب المعاصر، إضافة إلى كون العرف الدولي يستعمل لفظ (الأقليات) كمصطلح سياسي يقصد به:"مجموعات أو فئات من رعايا دولة تنتمي من حيث العرق أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه الأغلبية".

كما استقر رأي المجلس على أن موضوع (فقه الأقليات) هو: الأحكام الفقهية المتعلقة بالمسلم الذي يعيش خارج بلاد الإسلام.

قد تكون خصوصيات الأقلية دينية أو نسبية"إثنيه"ولهذا فإن الأكثرية تنحو في الغالب إلى تجاهل حقوق هذه الأقلية إن لم تضايقها في وجودها المادي أو المعنوي لأنها تضيق ذرعًا بالقيم والمثل التي تمثلها تلك الأقلية وهذه أهم مشكلة تواجهها الأقليات في المواءمة بين التمسك بقيمها والتكيف والانسجام مع محيطها.

لقد شهد التاريخ مئاسي كثيرة للأقليات بسبب الخصومة بين الأقليات وبين الأكثرية ولسنا بصدد سرد تاريخي لمجازر للأقليات ما زال العالم يعيشها في نهاية القرن العشرين في كوسوفو والبوسنة والهرسك.

إلا أنه وفي العصر الحديث حصل تطور مهم في العالم حيث أصبح نظام حقوق الإنسان وسيلة لعيش الأقليات بين ظهراني الأكثرية وبخاصة في ديار الغرب التي تبنت حقوق الإنسان وكان في الأصل وسيلة للتعايش بين أتباع الكنيستين البروتستانية والكاثولوكية إلا أنه سمح مع الزمن بوجود أقليات أفريقية وآسيوية نشأت هذه الأقليات لأسباب شتى أهمها العلاقة الاستعمارية التي أدت إلى نزوح عمال المستعمرات إلى البلاد المستعمرة.

وفي فترة من التاريخ كانت الحضارة الإسلامية الوحيدة بين الحضارات البشرية التي تنظم حقوق الأقليات في ممارسة شعائرها والتحاكم إلى محاكمها.

وهكذا عاشت الأقلية القبطية في مصر 14قرنًا محمية بحماية الإسلام كما هي حال الأقلية اليهودية في المغرب.

ولقد اهتمت كثير من المعاهدات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى بحماية الأقليات كما كانت مسألة الأقليات من أهم المشكلات التي واجهت عصبة الأمم المتحدة.

أن أوضاع الأقلية المسلمة في ديار غير المسلمين يمكن أن توصف بأنها أوضاع ضرورة بالمعنى العام للضرورة الذي يشمل الحاجة والضرورة بالمعنى الخاص.

ولهذا احتاجت إلى فقه خاص ولا يعني ذلك إحداث فقه جديد خارج إطار الفقه الإسلامي ومرجعيته الكتاب والسنة وما ينبني عليهما من الأدلة كالإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف والاستصحاب إلى آخر قائمة الأدلة التي اعتمدها الأئمة في أقوالهم وآرائهم العديدة والمتنوعة والتي تمثل ثراء وسعة الفقه الإسلامي، فقضايا الأقليات قديمة بالجنس حديثة بالنوع.

أما إضافة الفقه إلى الأقليات فهي من نوع الإضافات التي يراد بها تمييز المضاف وتخصيصه وهي من نوع الإضافة شبه المحضة فقد ذكر ابن مالك في الألفية نوعين من الإضافة هما الإضافة اللفظية والإضافة المعنوية وهي الإضافة المحضة.

وهذه منها لأن المضاف إليه يخصص الأول أو يعرفه قال ابن مالك:

.واخْصُصَ أَوَّلا *** أو أَعْطِهِ التَّعْرِيفَ بالَّذي تَلاَ

وأشار إلى هذه الإضافة بقوله بعد أبيات:

.*** وتِلْكَ محْضَةُ ومَعْنَوِيَّهْ

والمطلوب هنا أن نبين أن إضافة الفقه للأقليات لا تعنى إنشاء فقه خارج الفقه الإسلامي وأدلته المعروفة وإنما تعنى أن هذه الفئة لها أحكام خاصة بها نظرًا لظروف الضرورات والحاجيات كما تقول فقه السفر أو فقه النساء وسيتضح ذلك أثناء نشرنا لطي هذا الموضوع وبسطنا لبساطه ولا مشاحة في الاصطلاح كما يقول العلماء.

وقد نظمت أبياتًا في إحدى دورات المجلس الأوربي عندما كنا نناقش تأصيل فقه الأقليات لا بأس من إثباتها هنا وهي:

عُقُودُ المُسلِمينَ بدَارِ غَربٍ *** تَجَاذَبَها المَقَاصِدُ والفُرُوعُ

ومِيزَانُ الفَقِيه يَجُورُ طَورًا *** إلى طَرَفِ فَيُفْرِطُ أو يُضِيعُ

فَفِي الجُزْئِيِّ ضِيقُ وانْحِصَارُ *** وفي الكُلِيِّ مُنْفَسَحُ وَسِيعُ

ونُورُ الحَقِّ مَصْلَحَةُ تُوازَى *** بِجُزئيِّ النُصُوصِ لَه سُطُوعُ

مَآلاتُ الأُمُورِ لَهَا اعتِبَارُ *** وحَاجِيُّ الضَرُورةِ قَدْ يُطِيعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت