فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال إمام الحرمين في المعنى الأول:"والضرب الثاني ما يتعلق بالحاجة العامة ولا ينتهي إلى حد الضرورة ومثل هذا تصحيح الإجارة فإنها مبنية على الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنة ملاكها بها على سبيل العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ الضرورة المفروضة في البيع وغيره ولكن حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ الضرورة للشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه الجنس، لنال آحاد الجنس أضرار لا محالة تبلغ مبلغ الضرورة في حق الواحد، وقد يزيد أثر ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس، وهذا ما يتعلق بأحكام الإيالة والذي ذكرناه مقدار غرضنا الآن". (البرهان:924)
وسلك تلميذه أبو حامد الغزالي مسلكه في كتابه"شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل"حيث قال في معرض كلامه عن الضرورة الذي سنعود إليه في محله:"والحاجة العامة في حق كافة الخلق تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق الشخص الواحد. (ص 246) "
وإلى جانب هذا الكلام نرى الغزالي نفسه عندما يتحدث عن المصلحة يقول"إنها وإن وقعت في موضوع الحاجة أو التتمة لم تعتبر وإن وقعت في موضع الضرورة جاز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد بشرط أن تكون قطعية كلية كما أسلفنا".
وقفى على أثره تلميذه أبو بكر بن العربي المالكي حيث قال في كتابه القبس (القاعدة السابعة) :"اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرّم"وبعد أن ضرب مثلًا لذلك باستثناء القرض الذي يضرب له أجل عند مالك من بيع الذهب بالذهب إلى أجل. أضاف:"ومن ذلك حديث العرايا وبيع التمر فيها على رؤوس النخيل بالتمر الموضوع على الأرض وفيه من الربا ثلاثة أوجه: بيع الرطب باليابس والعمل بالخرص والتخمين في تقدير المالين الربويين وتأخير التقابض إن قلنا أنه يعطيها له إذا حضر جذاذ النخل. (القبس: 2/790-791) ."
إلاّ أن بعض الفقهاء كابن نجيم والسيوطي نقلوا الحاجة من مفهومها الأصولي إلى القواعد الفقهية دون تقديم ضوابط مما أوهم بعض الباحثين المعاصرين أنه كلما لاحت لوائح مشقة أو عرضت حاجة يعلن الإباحة وكأنه يستند إلى قاعدة قطعية تدل على الحكم بلا واسطة شأن الضرورة الفقهية بمعناها الأخص لا فرق بينهما.
مناقشة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة:
قلت: إن الحاجة لا يمكن اعتبارها قائمة مقام الضرورة بصفة مطلقة في إباحة المحرّم، بل إن الأصل أن الضرورة وحدها تبيح المحرّم وأن هذا الحكم لا ينسحب على الحاجة كما قال الشافعي:"وليس يحل بالحاجة محرّم إلاّ في الضرورات". (الأم: 3/28)
وقال الشافعي:"الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره". (نفس المرجع: ص77)
والسيوطي نفسه صرّح بذلك:"أكل الميتة في حالة الضرورة يقدم على أخذ مال الغير". (الأشباه والنظائر:ص62)
ذلك أن أكل الميتة فيه حق الله تعالى فقط وأخذ مال الغير ومنه الربا فيه حق الله تعالى وحق الآدمي. قال القرافي:"وقد يوجد حق الله تعالى وهو ما ليس للعبد إسقاطه ويكون معه حق العبد كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات. (الفروق1/140-141) "
فهذه العقود محرّمة لحق الله وحق العباد فكيف يمكن تنزيل الحاجة فيها منزلة الضرورة بإطلاق.
وأكثر العلماء رأوا أن المصلحة الحاجية لا يترتب عليها حكم.
قال الطوفي في شرحه لمختصر الروضة:"لا يجوز للمجتهد أنه كلما له مصلحة تحسينية أو حاجية اعتبرها ورتّب عليه الأحكام حتى يجد لاعتبارها شاهدًا من جنسها. (الطوفي: 3/207) "
وقال ابن قدامة في الروضة في سياق حديثه عن المصالح المرسلة التي لم يشر لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين، وهذا على ثلاثة ضروب: أحدها ما يقع في مرتبة الحاجات (وضرب له أمثلة) . الضرب الثاني ما يقع في موقع التحسين (وذكر له أمثلة) ثم قال:"فهذان الضربان لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل فإنه لو جاز ذلك كان وضعًا للشرع بالرأي ولما احتجنا إلى بعثة الرسل. (روضة الناظر:1/413 وما بعدها) ."
ومن قال بتأثير المصلحة في محل الحاجي شرط أن تكون جارية على أصول الشرع وقواعده متفقة مع مبادئه ومقاصده بحيث لا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من أدلته. (الشاطبي"الاعتصام": 2/129) .
لأن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها بالسماح مقيدًا بما هو جار على أصولها، وليس تتبعًا للرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها. (الموافقات للشاطبي:4/145) .
ولإيضاح ما نريده نورد كلمات القرافي الآتية في فروقه: (الفرق الحادي والثلاثون بين الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة من الإباحة إلى الحرمة يكفي لها أيسر الأسباب) . (الفروق للقرافي: 3/273)
إلاّ أن المحرم أنواع فمنه المحرم لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير ومنه الحرام لكسبه: كالمأخوذ غصبًا أو عقد فاسد وهذا التقسيم لابن تيمية. (الفتاوى: 29/320)
والمحرم لكسبه متفاوت فمنه محرم تحريم المقاصد ومنه المحرم تحريم الوسائل والذرائع. فالأول أشد من الثاني.