فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والربا أشد محرمات العقود، وحرم الربا لأنه متضمن للظلم فإنه أخذ فضل بلا مقابل وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر (ابن تيمية) . وقال أيضًا:"إن تحريم الربا أشد من تحريم القمار لأنه ظلم محقق".
والربا متفاوت: فربا الفضل لا يساوي ربا النساء، فإن تحريم هذا من تحريم المقاصد، وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع، ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة. (ابن القيم"أعلام الموقعين": 2/107)
ولتوضيح ما ذكره ابن القيم نذكر قول القرافي:"الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد" (الفروق: 2/33)
والحاصل أن العزيمة راجعة إلى أصل كلي ابتدائي. والرخصة راجعة إلى جزئي مستعصي عن ذلك الأصل الكلي. (الموافقات للشاطبي:1/300-303)
وإذا كان كلام إمام الحرمين وتلاميذه يرمي إلى تعليل نصوص شرعية- غير اجتهادية - بالحاجة فإن المالكية توسعوا في بناء الفروع الاجتهادية على الحاجي الكلي.
قال المواق - بعد أن ذكر أنواعًا من عقود الإجارة التي لايجيزها مالك-:"وكان سيدي ابن سراج رحمه الله فيما هو جار على هذا لا يفتي بفعله ابتداء ولا يشنع على مرتكبه فقصارى أمر مرتكبه أنه تارك للورع."
وما الخلاف فيه شهير لا حسبة فيه ولا سيما إن دعت لذلك حاجة.
ومن أصول مالك أنه يراعي الحاجيات كما يراعي الضروريات فأجاز الرد على الدرهم، مع كونه يجعل مد عجوة من باب الربا وأجاز تأخير النقد في الكراء المضمون. إلى أن قال: ويُباح الغرر اليسير بخلاف باب الربا.
وسُئل سيدي ابن سراج رحمه الله: هل تجوز المشاركة في العلوفة أن يكون الورق على واحد وعلى الآخر الخدمة وتكون الزريعة بينهما على نسبة الحظ المتفق عليه ؟ فأجاب: قد أجاز ما ذكر بعض العلماء، فمن عمل بذلك على الوجه المذكور للضرورة وتعذّر الوجه الآخر فيرجى أن يجوز إن شاء الله.
ورأيت له فتيا أخرى قال فيها:"ويجري ذلك على مقتضى قول مالك في إجازة الأمر الكلي الحاجي".
وقريب من هذا المنحى ما ذهب إليه بعض الأحناف في مسائل الإجارة حيث قالوا:"وجاز إجارة القناة والنهر مع الماء، به نفتي لعموم البلوى مضمرات" (الدر المختار) . علّق ابن عابدين بقوله: قوله (مع الماء) أي تبعًا قال في كتاب الشرب من البزارية لم تصح إجارة الشرب لوقوع الإجارة على استهلاك العين مقصود إلاّ إذا أجر أو باع مع الأرض فحينئذٍ يجوز تبعًا"."
وعنه قال: رأيت ابن الشجاع يقاطع نساجًا ينسج له كل سنة. (الحاشية: 5/38) . وفي الدر المختار: ويفتي اليوم بصحتها"الإجارة"لتعليم القرآن والفقه والإمامة والأذان ويجبر المستأجر على دفع ما قبل"."
علّق ابن عابدين بقوله:"قال في الهداية: وبعض مشايخنا رحمهم الله تعالى استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم لظهور التواني في الأمور الدينية ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن وعليه الفتوى".
وذكر مجموع ما أفتى به المتأخرون من مشايخنا وهم البلخيون على خلاف في بعضه مخالفين ما ذهب إليه الإمام وصاحباه. (حاشية ابن عابدين:5/34-35) .
وهكذا نرى المتأخرين من أتباع الإمامين مالك وابن حنيفة يتوسعون في التعامل مع الحاجي أحيانًا مع مخالفة منصوص الإمام بناءً على ما فهموه من قواعد الإمامين.
وقد احتج الشيخ تقي الدين بن تيمية لابن عقيل في مسألة إجارة الأرض والشجر بقوله:"فإن قيل إن ابن عقيل جوز إجارة الأرض والشجر جميعًا لأجل الحاجة وأنه سلك مسلك مالك لكن مالكًا اعتبر القلة في الشجر وابن عقيل عمم فإن الحاجة داعية إلى إجارة الأرض البيضاء التي فيها شجر وإفرادها عنها بالإجارة متعذر أو متعسر لما فيه من الضرر فجوز دخولها في الإجارة كما جوز الشافعي دخول الأرض مع الشجر تبعًا في المساقاة. (الفتاوى: 30/231) ."
وفي مذهب الشافعي ما حكى صاحب التلخيص عن نص الشافعي رحمه الله أن الأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل قبضها.
وبعد ذكره للخلاف في هذه المسألة، قال النووي:"ودليل ما قاله الأول وهو الأصح أن هذا القدر من المخالفة للقاعدة احتمل للمصلحة والرفق بالجند لمسيس الحاجة" (المجموع: 9/268) .
وقد أصل أبو إسحاق الشاطبي هذا المفهوم الحاجي واضعًا إياه في إطاره الأصولي قائلًا:"ومما ينبني على هذا الأصل قاعدة الاستحسان". وهو في مذهب مالك الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي. ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرًا إلاّ أنّ ذلك الأمر يؤدي إلى فوات المصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك. وكثيرًا ما يتفق هذا في الأصل الضروري مع الحاجي، والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقًا في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك في الحاجي مع التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر.