فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 830

فيسقط التطهير من الخبث في الصلاة عن ثوب المرضع كل ما يعسر التحرز منه كدم البراغيث ويسقط الوضوء فيها بالتيمم لكثرة عدم الماء والحاجة إليه والعجز عن استعماله.

وبعضهم يعتبر في التخفيف شديدة المشقة وخفيفها.

هذه الأقسام الثلاثة تطرد في جميع أبواب الفقه فكما وجدت المشاق الثلاثة في الوضوء، كذلك نجدها في العمرة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل وغضب الحكام وجوعهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك . وكذلك الغرر في البيع ثلاثة أقسام وهكذا في كل أبواب الفقه. (1/131-132)

وبين أن لكل عبادة مرتبة. قلت: وكذلك منهيات المعاملات لكل منها مرتبة.

مجالات تدخل فيها الحاجة:

الحاجة والغرر:

من أهم المجالات التي تدخلها الحاجة عقود الغرر وتقدمت بعض النصوص التي تدل على اغتفار يسير الغرر للحاجة.

ونريد أن نذكر الآن ما هو الغرر ؟ وأصل النهي عنه ومدى تأثير الحاجة في إلغاء حكمه.

والغرر عرّفه القرافي بأنه: الشيء الذي لا يدري هل يحصل أو لا. وعرّف الجهالة بأنها: ما عُلم وجوده وجهُلت صفته.

وعرّف الجرجاني الغرر بأنه: ما يكون مجهول العاقبة لا يدري أيكون أو لا (التعريفات) .

وقيل: ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. قال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان. (التاج: 3/443)

وبيع الغرر ممنوع شرعًا بعموم الكتاب لقوله تعالى:"وَلاَ تَأْكُلُو?اْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِـ?لْبَاطِلِ"]البقرة2/88[ .

ومحرّم بنصوص السنّة . ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اله عليه وسلّم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر (شرح مسلم للنووي11/156) . وأخرجه مالك في الموطأ مرسلًا عن أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَعِ الغَرَرِ (المنتقى للباجي:5/41) .

علّق عليه الباجي بقوله"نهيه صلّى اله عليه وسلّم عن بيع الغرر يقتضي فساده ومعنى بيع الغرر - والله أعلم - ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر فهذا الذي لا خلاف في المنع منه".

وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع فإنه لا يكاد يخلو منه عقد. وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود لاختلافهم فيما فيها من الغرر هل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة أو من حيز القليل الذي لا يمنعها، فالغرر يتعلق بالمبيع من ثلاثة أوجه: من جهة العقد، والعوض، والأجل (المنتقى:5/41) .

قلت: وجه ما ذكره الباجي وغيره أن مجرد وجود الغرر ليس مبطلًا للعقد حتى يكون غالبًا ناشئًا عن كون إضافة البيع إلى الغرر هي من إضافة الموصوف إلى الصفة . ووصف ابن مالك - في التسهيل - هذا النوع من الإضافة بأنه من شبه المحضة ومثل له بمسجد الجامع لأن المسجد هو الجامع وذلك صفته ومعنى هذا أن النهي وارد على بيع غرر وليس عن بيع فيه غرر والفرق يدركه البصير بموارد الألفاظ.

وقال القرافي:"قاعدة: الغرر ثلاثة أقسام: متفق على منعه في البيع كالطير في الهواء ومتفق على جوازه كأساس الدار ومختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول لعظمه أو بالقسم الثاني لخفته أو للضرورة إليه كبيع الغائب على الصفة والبرنامج ونحوهما ؟"

ويقول النووي:" (فرع) الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز منه فأما ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل الأعضاء أو ناقصها وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع."

قال العلماء مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلاّ بمشقة أو كان الغرر حقيرًا جاز البيع وإلاّ فلا.

أما الشيخ تقي الدين بن تيمية فإنه قيّد الحاجة بالشدّة عندما قال في حديثه عن الجوائح:"والحاجة الشديدة يندفع بها الغرر اليسير والشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرّم فكيف إذا كانت المفسدة منفية". (الفتاوى الكبرى4/32)

الغرر المضاف:

واعتبر المالكية أن الغرر إذا كان مضافًا لأصل جائز يغتفر للحاجة بخلاف ما لو كان الغرر أصلًا في العقد فيبطل العقد .

وهذا الكلام واضح في أمرين أحدهما أن الغرر قد يجوز تبعًا للحاجة ويجوز منه اليسير وأن الربا لا يجوز منه قليل ولا كثير.

وهذه نصوص تبين حدود تأثير الحاجة في المنهيات وذلك بحسب مرتبة النهي فما كان في مرتبة وسطى كالغرر تؤثر فيه بشروط وما كان في مرتبة عليا لا يتأثر بها.

ومن هذا القبيل تأثير الحاجة معتمدة على اشتمال العقد على معنى الرفق والمعروف فقد يكون العقد في أصله حرامًا ولكنه يباح للحاجة بناءً على ما علم من التفات الشارع للمعروف والرفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت