ومن ذلك أنهم أجازوا إجارة لا تعرف فيها طبيعة المنافع المستأجر عليها ولا الذات المستأجرة وذلك في صيغة عرفت عند المالكية بـ"أعني بغلامك لأعينك بغلامي".
وتصور هذه المسألة من مختصر خليل ممزوجًا بشارحه الزرقاني:"وجاز أعني بغلامك على حرثي ونحوه لأعينك بغلامي. أراد أو نفسي على حرثك أو غيره . ولذا حذف متعلق حال كون ذلك، إجارة لا عارية ، لأنها بغير عوض وهذا بعوض، تحدث المنفعة أم لا، تساوى زمنها أو اختلف، تماثل المعان به للآخر أم لا، كحرث وبناء وغلام وثور فلا يشترط اتحاد المنفعة ولا عين المستعمل) . وهذه إجارة، ومعلوم أن الإجارة كالبيع . أركانها، والركن الثاني - الأجر- هو كالثمن يطلب كونه معروفًا قدرًا وصفة"هذا كلام ابن عرفة (المواق:5/389) .
وهذه الصيغة التي اعتبرت تشتمل على جهل قدر الأجرة وصفتها ؛ لأنها قد تكون ثورًا في مقابل غلام، وقد تكون حرثًا في مقابل البناء لأن الإعانة معروف حسب عبارة الزرقاني (نفس المرجع) .
قلت: قوله فكان ذلك ضرورة إلى آخره معناها هنا الحاجة كما قدمنا . وكذلك نصّوا على أن (قولهم الصفقة تفسد إذا جمعت حلالًا وحرامًا مخصوص بالمعاوضات المالية بالبيع والشراء.(في الزرقاني: 7/79)
الحاجة ترجح المختلف فيه بين العلماء:
وقد نصَّ المالكية على جواز العمل بالضعيف بثلاثة شروط: أن تلجئ إليه الضرورة، وأن لا يكون ضعفه شديدًا جدًا، وأن تثبت نسبته إلى قائل يُقتدى به علمًا وورعًا . ذكره البناني في حاشيته على الزرقاني عن المسناوي (5/124) .
ونظمه سيدي عبدالله في مراقي السعود حيث قال:
وذِكْرُ ما ضَعِّفَ لَيْسَ للعَمَلْ … …إِذْ ذاكَ عَنْ وِفَاقِهِمْ قَدِ انْحَظَلْ
بلْ للتَّرَقي في مَدارِجِ السَّنا … …ويَحْفَظَ المُدْرَكَ مَنْ لَهُ اعْتِنا
أولِمُراعَاةِ الخِلافِ المُشْتَهِرْ … …أوِ المُراعاةِ لِكُلِّ مَا سُطِرْ
وكَوْنِهِ يُلْجى إليهِ الضَّرَرُ … …إنْ كانَ لَمْ يَشْتَدّ فِيهِ الخَوَرُ
وثَبَتَ العَزْوُ وقَدْ تَحَقَّقَا … …ضُرًّا من الضُّرِّ بِهِ تَعَلَّقَا
أصل مشروعية الحاجة رفع الحرج والتيسير فهي تشترك مع الضرورة في مسألة رفع الحرج وهي مبنية على التسهيل والتيسير والتوسع.
إجمال الفروق بين الضرورة والحاجة:
بعد هذا العرض يتبين أن الفرق بين الضرورة والحاجة يرجع إلى:
التعريف في أن الضرورة في معناها الفقهي الأخص شدة وضيق في المرتبة القصوى تبيح المحرّم، وفي معناها الأصولي كلي ينتظم الأحكام التي بها قوام الأديان والأبدان .
والحاجة مشقة في مرتبة وسطى في معناها الفقهي تلحق بالضرورة الفقهية في إباحة منهي ضعف دليله وتدنت مرتبته في سلم المنهيات وفي معناه الأصولي كلي أورث عدم اعتباره مشقة وحرجًا للعامة وأدى اعتباره إلى سهولة ويسر فكان أصلًا لعقود منصوصة حادت عن قياس أو خرجت عن قاعدة كلية أو أدى إليها اجتهاد مجتهد استصلاحًا أو استحسانًا.
أصل المشروعية في أن النصوص المتعلقة بالضرورة نصوص واضحة محددة تتعلق برفع حرج وشدة من نوع خاص.
والنصوص التي ترجع مشروعية الحاجة إليها تتعلق برفع الحرج بصفة عامة أعم من تلك التي قبلها وأقل تحديدًا.
وهذان الفرقان بين الضرورة وبين الحاجة ثابتان في الضرورة بالمعنى الأصولي (الضروري) ومتعلقها مستمر، أي أن الحكم الملحق من أجلها على خلاف القياس مستمر بناء على دليل الاستحسان أو المصلحة المرسلة وفي الضرورة بالمعنى الفقهي ومتعلقها مؤقت من باب الرخصة بالمعنى الأخص وهي تغيير حكم لعذر مع علة الحكم الأصلي.
وفي الحاجة بمعنى الحاجي وهو المعنى الأصولي ومتعلقها مستمر أي أن الحكم ثابت بها مستمر سواء كان منصوصًا معللًا بها كالسلم والإجارة …إلى آخره، أو منسوبًا إليها استحسانًا كالاستصناع للحاجة والتعامل أو استصلاحًا كجواز تلاوة الحائض عند مالك.
والحاجة بمعنى الحاجي يشترط فيها أن تكون عامة وأما الحاجة الفقهية وهي كالضرورة الفقهية لأنها ملحقة بها وتوسيع لمعناها وهذه ترفع الحرج مؤقتًا بخلاف الضرورة بمعناها الفقهي فإنها تبيح مع قياس النص المانع صريحًا فيما توجد فيه فترفعه مؤقتًا وتشاركها الحاجة الفقهية في التوقيت لكنها تختلف معها في مرتبة دليل الحكم الذي ترفقه فالأولى ترفع حكمًا دليله قطعي كالنص بدليله الظاهر والاقتضاء والإشارة والمفهوم والقياس.
أما الثانية فإنها ترفع حكمًا دليله ظني كحال العام وبخاصة العام الضعيف في نوادر الصور كما أسلفنا وهذا الاختلاف في طبيعة الدليل الذي تواجهه كل منهما ناشئ عن اختلاف المشقتين فالمشقّة في محل الضرورة هي مشقّة كبرى بينما المشقّة في محل الحاجة هي مشقّة وسطى.
أما الضرورة بمعنى الضروري عند الأصوليين فإنها تكون تأصيلًا لأحكام منصوصة من الشارع أو مجتهد فيها عن طريق المصلحة المرسلة.