باعتباره مستند تخويل المراكز الإسلامية صلاحية البت في قضايا التنازع بين الزوجين وبخاصة في دعوى الضرر وإيقاع الطلاق والخلع.
وواصلنا حديثنا بكلمة عن أحكام التطليق والتفريق الصادر من قضاة غير المسلمين حيث اعتبرناها غير شرعية تصحح بأثر رجعي من طرف جماعة المسلمين تجنبا للحرج الديني وابتعادا عن المفاسد بحسب الإمكان.
ولما تقدم فإنه يجوز للمراكز الإسلامية وما في حكمها مما يعتبر مرجعا لجماعة المسلمين أن تقرر تطليق المرأة التي قد صدر لها حكم من محكمة غير إسلامية أو لم يصدر لها حكم ورفع الزوجان أمرهما إليها.
الفصل الثالث: أمثلة لمسائل من فقه الأقليات
المثال الأول: حكم إقامة الأقلية المسلمة في ديار الأكثرية غير المسلمة.
أولًا: اعلم أن تعريف الدار أمر مختلف فيه بين من يرى"أن دار الإسلام هي كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة". كما في البدائع والصنائع.
أو"دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام"حسب تعريف ابن القيم ناسبًا للجمهور.
فهل العبرة بالأحكام أم بالسكان ؟ وهل العبرة بجريان الأحكام في وقت من الأوقات حتى ولو احتلها الكفار كما يراه الشافعي ؟
وما هو نوع الأحكام هل هي الأحكام السلطانية من حدود وغيرها أم يكفي أن تقام الشعائر ؟
وهل تكون الدار مركبة إذا كان للكفار السلطان مع إسلام السكان كما يراه شيخ الإسلام ابن تيمية ؟
لعلي أعفي القارئ من هذه الخلاف العريض الذي لا يوجد فيه دليل حاسم لأقول:
إن دار الإسلام هي كل دولة أكثر سكانها من المسلمين وحكامها مسلمون حتى ولو كانوا لا يطبقون بعض الأحكام الشرعية.
ودار غير المسلمين هي كل دولة أكثر سكانها غير مسلمين وحكامها غير مسلمين.
والدار المركبة تتمثل في الدول الفدرالية فيها مسلمون وغير مسلمين. تحتفظ كل ولاية منها بسلطة سن القوانين. كما في نيجريا.
إذا كان الأمر ذكر فمسألة الإقامة قد اختلف فيها العلماء فذهب المالكية وابن حزم من الظاهرية في المحلى إلى أنه لا تجوز إقامة المسلم في دار غير المسلمين سواء خشي الفتنة أم لم يخشها لعدة أحاديث أصحها و أصرحها حديث الترمذي وأبي داود وفيه مقال"أَنَا بَرِيءُ مِنْ كُلَّ مُسْلِمِ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينْ". حتى قال ابن حزم من دخل إليهم لغير جهاد أو رسالة من الأمير فإقامة ساعة إقامة ."أي حرام".
ومالك رحمه الله تعالى له رأي خاص في مسألة الإقامة في دار المعصية حتى أنه لا يجيز الإقامة ببلد يسب في الصحابة أو السلف الصالح.
ومن جهة المعقول أن المسلم يعرض نفسه للهوان ويشاهد المناكر.
والقول الثاني: قول جمهور الفقهاء وهم الأحناف والحنابلة والشافعية حيث أباحوا الإقامة للقادر على إظهار دينه الذي تتوفر له الحماية.
حيث قال الشافعية: أو قدر على الامتناع والاعتزال ثمَّ، ولم يرج نصرة المسلمين بالهجرة كان مقامه واجبًا لأن محله دار الإسلام فلو هاجر لصارت دار حرب. ( نهاية المحتاج8/ )
ودليلهم كما يقول الشافعي أن النبي عليه الصلاة والسلام أذن لقوم أسلموا بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم منهم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
وقال ابن حجر نقلا عن الماوردي: إذا قدر المسلم على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت للبلد به دار إسلام فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يرتجى من دخول غيره في الإسلام. ( فتح الباري 7/230)
وإسلام النجاشي وبقاؤه في قومه وقوله عليه الصلاة والسلام عنه"مَاتَ اليَوْمَ رَجُلُ صَالِحُ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلى أَخيكُمْ أََصْحَمَةَ."كما في البخاري .
وهذا الخلاف إنما هو إذا كان المسلم قادرًا على إظهار شعائر دينه وممارسة عبادته.
أما إذا كان المسلم معرضًا للفتنة في دينه ومدعو للانسلاخ منه بالكلية فيجب عليه الفرار بدينه من تلك الديار إلى دار الأمن والأمان إذا وجد دار إسلام فذلك المطلوب وإلا فدار كفر لا يفتن فيها عن دينه.
ومع ما تقدم من تفصيل الحالتين حالة الأمن على إظهار الدين الذي قال فيه بعض الشافعية بوجوب البقاء وقال فيه البعض الآخر بأن البقاء أفضل.
وحالة خوف الفتنة في الدين والحمل على الخروج من الدين وهي حالة لا رخصة فيها وتجب فيها الهجرة فإن الجمهور يستحبون للمسلم أن يهجر دار الكفر كما يظهر من مراجعة المبسوط والمعيار والمجموع والمغنى وفتح الباري.
ويتأكد طلب الخروج من ديارهم إذا كان لا يستطيع تربية أبنائه تربية إسلامية أو كان بيته مهددًا بالتحلل الأخلاقي ووجد سبيلًا إلى الإقامة في بلد إسلامي فيه بقية من الأخلاق.
فالعبرة في الموازنة بين البلدان من حيث الصلاح والفساد انظر مغنى المحتاج. (4/284)
والمسألة في بقاء المسلم في ديار غير المسلمين ترجع إلى قاعدة التيسير وتنزيل الحاجات والمشقات منزلة الضرورات وهي القواعد التي أشرنا إليها فعلى المسلم أن يقدر ضروراته وحاجاته بقدرها كما أن"العولمة"وانفتاح العالم بعضه على بعض لها تأثير على تقدير الحاكم.