فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 830

وجاء في العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة: وإذا كانت المصلحة العائدة على طائفة المسلمين ببقائه ظاهرة كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب أن يبقى.

وسيأتي مزيد بيان في فتاوى المجلس الأوربي.

أما الجنسية فهي فرع عن الإقامة ويعرض لها ما يعرض للإقامة من عوارض التحريم عند الخوف من الخروج من الدين عليه أو على أولاده إذا وجد بلدًا لا فتنة فيه.

أو الكراهة إذا كان لا يخاف الكفر إلا أنه يشاهد المناكر ويجد بلدًا أقل مناكر.

أو الجواز عند التساوي.

أو الوجوب عندما توجد مصلحة قوية للإسلام والمسلمين في بقائه أو تحصل مفسدة في انتقاله.

أو الاستحباب عندما يقوم بالدعوة إلى الدين مع وجود غيره من الدعاة.

وهي أمور تحتاج إلى تحقيق المناط والنظر في المآلات التي أشرنا إليها في جملة القواعد الآنفة الذكر.

المثال الثاني: ما هو تأثير المكان على أحكام التكليف؟

وبعبارة أخرى هل الدار موطن رخصة فتبيح المحظور وتسقط الواجب وترجح من الخلاف ؟

هذا السؤال يشتمل على شقين أولهما تأثير الدار في إباحة بعض المحظورات وفي أحكام التكليف بصفة عامة.

وللعلماء في هذه المسألة مذهبان:

مذهب الجمهور وهو أن المكان لا تأثير له في أحكام التكليف وأن العزائم والرخص متساوية في دار الإسلام ودار غير المسلمين وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد في الصحيح من مذهبيهما ولا يعرف فيه خلاف كبير عن الصحابة سوى ما نقل عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

وقد عبر الشافعي عن هذا الاتجاه بعبارات واضحة قوية حيث قال: ومما يوافق التنزيل والسنة ويعقل المسلمون ويجتمعون عليه أن الحرام في دار الإسلام حرام في دار الكفر فمن أصاب حراما فقد حده الله على ما شاء منه ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئًا. ( الأم 4/165)

وذهب الجمهور إلى هذا بناء على عموم النصوص وعدم تخصيصها في الزمان يدل على عدم تخصيصها في المكان.

ذكر القرافي في الفرق التاسع والسبعين والمائة: بين قاعدة معاملة أهل الكفر وقاعدة معاملة المسلمين"قول مالك أكره معاملة المسلم بأرض الحرب للحربي بالربا وجوز أبوحنيفة الربا مع الحربي لقوله عليه السلام: لا رِبَا بَيْنَ مُسْلِمِ وحَرْبِي".

"لا رِبَا إِلا بَيْنَ المُسْلِمينَ". والحربي ليس بمسلم.

ووافقنا الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين لأن الربا مفسدة في نفسه فيمتنع من الجميع ولأنهم مخاطبون بفروع الشريعة لقوله تعالى (وحرم الربا) وعموم نصوص الكتاب والسنة يتناول الحربي.

قال اللخمي وغيره: إذا ظهر الربا بين المسلمين فمعاملة أهل الذمة أولى.

وعلل ذلك بأنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة على أحد قولي العلماء.

أما المذهب الثاني فيرى تأثير المكان في الأحكام. فبعض المعاملات التي تحرم في بلاد المسلمين تجوز في ديار غير المسلمين.

وهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وسفيان الثوري وإبراهيم النخعي وهو رواية عن أحمد وقول عبد الملك بن حبيب من المالكية.

وقد عبر عن هذا الاتجاه بعبارات واضحة الحاكم الحنفي في كتابه"الكافي"حيث قال: وإن بايعهم - غير المسلمين بدار غير المسلمين - الدرهم بالدرهمين نقدًا أو نسيئة أو بايعهم بالخمر والخنزير والميتة فلا بأس بذلك لأن له أن يأخذ أموالهم برضاهم في قولهما - أبي حنيفة ومحمد بن الحسن - ولا يجوز شيء من ذلك في قول أبي يوسف. (ابن عابدين الحاشية 3/248)

ولا نتردد في كون هذا مذهب أبي حنيفة في ديار غير المسلمين بإطلاق ونتوقف مع إطلاق دار الحرب فالحكم عندهم لدار غير المسلمين وإن كانت دار موادعة.

فقد قال السرخسي إن الدار بالموادعة لا تصير دار إسلام وذكر نقولًا عن أبي عبيد في كتابه"الأموال"يجيز معاملات غير مشروعة في دار الموادعة مما يدل على أن مفهوم دار الحرب هي دار غير المسلمين.

وكذلك لا تردد في مسألة أن تكون الزيادة للمسلم شرطًا في جواز المعاملة كما ذكره متأخروا الأحناف بل العبرة أن يكون المسلم منتفعًا سواء كانت الزيادة له أو لغيره كما يدل عليه كلام الإمام محمد في السير الكبير في قضية"ضع وتعجل".

أدلة هذا المذهب:

ما قدمناه من مرسل مكحول و حديث جابر بن عبد الله أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع:"ألا إنَّ كُلَّ ربًا كَانَ فِي الجَاهِليَّةِ فَهْو مَوضُوعُ وأَولُ رِبًا يُوضَعُ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. (رواه أبو داود في المناسك ؟) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت