وفي هذا ما يدل على إجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب على ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف لأن مكة كانت دار حرب وكان بها العباس بن عبد المطلب مسلمًا إما من قبل بدر - على ما ذكره ابن إسحاق من أنه اعتذر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا أسر يوم بدر وأمره أن يفتدي فقال له إني كنت مسلما ولم أخرج لقتالك إلا كرهًا فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم:"أَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا فَافْدِ نَفْسَكَ". أو من قبل يوم فتح خيبر - كما ذكره ابن إسحاق على ما دل عليه حديث الحجاج بن علاط من إقراره للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة وتصديقه ما وعده الله به وقد كان الربا يوم فتح خيبر محرمًا على ما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أتي بقلادة وهو بخيبر من غنائمها فيها ذهب وخرز فأمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وبيع وحده. وقال الذهب بالذهب وزنًا بوزن. ( أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/292)
فلمّا لم يردَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ما كان من رباه بعد إسلامه - إما من قبل بدر أو من قبل خيبر- إلى أن ذهبت الجاهلية بمكة وإنما وضع منه ما كان قائما لم يقبض دل ذلك على إجازته إذ حكم له بحكم ما كان من الربا قبل تحريمه وبحكم الربا بين أهل الذمة والحربيين إذا أسلموا.
وحديث الحجاج بن علاط الذي دل على أن العباس كان مسلمًا حين فتح خيبر.
هو ما روى أنس بن مالك عنه أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم - حين فتح خيبر: إن لي بمكة أهلًا ومالًا وقد أردت أن آتيهم فإن أذنت لي أن أقول فعلت فأذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في ذلك فأتى مكة وأشاع بها أن أصحاب محمد قد استبيحوا وأني جئت لآخذ مالي فأبتاع من غنائمهم ففرح بذلك المشركون واختفى من كان بها من المسلمين فأرسل العباس بن عبد المطلب غلامه إلى الحجاج يقول له ويحك ما جئت به ؟ فما وعد الله به ورسوله خير مما جئت به فقال له اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له ليخل لي معه بيتًا فإن الخبر على ما يسره فلمّا أتاه الغلام بذلك قام إليه فقبل ما بين عينيه.ثم أتاه الحجاج بن علاط فخلا به في بعض بيوته وأخبره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قد فتحت عليه خيبر وجرت فيها سهام المسلمين واصطفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - منها صفية لنفسه وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أباح له أن يقول ما شاء ليستخرج ماله وسأله أن يكتم ذلك عليه ثلاثًا حتى يخرج ففعل فلمّا أخبر بذلك بعد خروجه فرح المسلمون ورجع ما كان بهم من كآبة على المشركين والحمد لله رب العالمين. ( أخرجه ابن حبان ونقلته بالمعنى واختصرت منه كثيرًا لطوله وبالله التوفيق) .
واحتج الطحاوي لإجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب بحديث ثور بن زيد الديلي أنه قال بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية و أيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام". ( أخرجه مالك في الموطأ) ."
وإنما اختلف أهل العلم فيمن أسلم وله ثمن خمر أو خنزير لم يقبضه: فقال أشهب والمخزومي هو له حلال سائغ بمنزلة ما لو كان قبضه وقال ابن دينار وابن أبي حازم يسقط الثمن عن الذي هو عليه كالربا وأكثر مذاهب أصحابنا على قول أشهب والمخزومي. ( ابن رشد المقدمات 2/11)
ابن تيمية في المحرر حيث قال: الربا محرم في دار الإسلام والحرب إلا بين مسلم وحربي لا أمان بينهما. ( المحرر 1/318)
كما ورد ذكره كذلك عن آخرين من علماء الحنابلة كما ورد عن بعض علماء المالكية القول بكراهية ذلك وعدم تحريمه ففي البيان والتحصيل لابن رشد الجد قوله: وكذلك الربا مع الحربي في دار الحرب مكروه وليس بحرام لأنه لمّا جاز له أن يأخذ من ماله ما لم يؤتمن عليه لم يحرم عليه أن يربي معه فيه وكره من أجل أنه لم يأخذه على الوجه الذي أبيح له أخذ ماله وإنما أخذه بما عامله عليه من الربا. (البيان والتحصيل 17/291)
وقد روي عن أحمد أنه قال: لا يحرم الربا في دار الحرب. ( الفروع لابن مفلح 4/147)
في الدر المختار: وحكم من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر كحربي فللمسلم الربا معه خلافًا لهم. ( الحاشية 5/186)
وفي بدائع الصنائع للكاساني عند حديثه عن شرائط جريان الربا قال: ومنها: أن يكون البدلان متقومين شرعًا وهو أن يكونا مضمونين حقًا للعبد فإن كان أحدهما غير مضمون حقا للعبد لا يجري فيه الربا وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب فبايع رجلا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا درهما بدرهمين أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الإسلام أنه يجوز عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز لأن العصمة وإن كانت ثابتة فالتقوم ليس بثابت عنده. (بدائع الصنائع 5/192)