يقول السرخسي في المبسوط: وإن بايعهم المستأمن إليهم الدرهم بالدرهمين نقدًا أو نسيئة أو بايعهم في الخمر والميتة والخنزير فلا بأس بذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولا يجوز شيء من ذلك في قول أبي يوسف رحمه الله لأن المسلم ملتزم أحكام الإسلام حيثما يكون ومن حكم الإسلام حرمة هذا النوع من المعاملة. (المبسوط10/95)
وفي هذه المسألة قرار المجلس الأوربي بإجازة اشتراء البيوت بالقروض البنكية وهو يندرج في قاعدة رفع الحرج وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة لترجيح القول الضعيف كما أشرنا إليه في ضوابط الحاجة من هذا الكتاب.
المثال الثالث: العلاقات الإنسانية وحسن التعامل في نصوص مختصرة تحكمها آية سورة الممتحنة
"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم".
والبر والقسط في غاية حسن التعامل ففي مسند الطيالسي عن هشام بن عروة عن أبيه أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله إِنَّ أُمِي أَتَتْنِي فِي عَهْدِ قُرَيْشِ وهْيَ رَاغِبَةُ مُشْرِكَةُ أَفَأَصِلُهَا قَالَ: نَعَمْ صِلِى أُمَكِ:"."
وحديث الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قالَ لِي رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم -": اتَّقِ اللهَ حَيْثُ مَا كُنْتَ وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".
فبالنسبة للعوائد والتقاليد فإن لابن تيمية كلامًا يعتبر معيارًا لما يمكن أن يسلكه المقيم في دارهم من موافقتهم في سلوكه الظاهر مما ليس مخالفًا للدين ولا هادمًا لركن من أركانه.
وبعد أن قرر: أن المخالفة لهم"للكفار"لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه ...
قال: ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه من الضرر. بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة . ( اقتضاء الصراط المستقيم 176- 177 )
وهذا الكلام يندرج في إطار تأصيل ابن تيمية لقاعدة مخالفة الكفار في الدين.
ويمكن أن نعتبر أن الملابس الأفرنجية والقبعات والنعال وغيرها من هذا الهدي الظاهر ولا ينبغي أن نتوسع في ذلك لارتكاب محرم منصوص.
وكذلك يمكن أن يسمح للمرأة في الغرب بوصل شعرها بغير شعر الآدمي عملا بمذهب أبي حنيفة.
وقد جعل بعضهم منه عدم تحريم حلق اللحية في الغرب بناء على قول قوي للشافعية بالكراهة فهو قول النووي وهو قول عياض من المالكية خلافًا للجمهور إذا دعت إليه الحاجة.
مسألة الآداب:
في الإنصاف للمرداوي: قوله ( وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم: روايتان) .
وأطلقهما في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة والكافي والمغني والشرح والمحرر والنظم وشرح ابن منجا.
إحداهما: يحرم وهو المذهب صححه في التصحيح وجزم به في الوجيز وقدمه في الفروع .
والرواية الثانية:لا يحرم فيكره وقدمه في الرعاية والحاويين في باب الجنائز ولم يذكر التحريم.
وذكر في الرعايتين والحاويين رواية بعدم الكراهة فيباح وجزم به ابن عبدوس في تذكرته .
وعنه: يجوز لمصلحة راجحة كرجاء إسلامه اختاره الشيخ تقي الدين ومعناه: اختيار الآجري وأن قول العلماء يعاد ويعرض عليه الإسلام.
قلت: هذا هو الصواب وقد عاد النبي -صلى الله عليه وسلم - صبيا يهوديًا كان يخدمه وعرض عليه الإسلام فأسلم .
نقل أبو داود: أنه إن كان يريد أن يدعوه إلى الإسلام فنعم .
وحيث قلنا: يعزيه فقد تقدم ما في تعزيتهم في آخر كتاب الجنائز ويدعو بالبقاء وكثرة المال والولد.
زاد جماعة من الأصحاب منهم صاحب الرعايتين والحاويين والنظم وتذكرة ابن عبدوس وغيرهم - قاصدًا كثرة الجزية.
قال الشافعي: ولا أصل لإلباس الذمي لبسًا مميزًا.
المثال الرابع: مسألة استحالة العين وتسمى بانقلاب العين.
مسألة الأدوية والأغذية المشتملة على مواد حيوانية نجسة لأنها من أصل ميتة أو خنزير أو خمر بناء على قاعدة انقلاب العين تطهر هذه المواد كما أن ما لا تحله الحياة من الميتات طاهر فالأنفحه وعظام الميتة وعصبها كلها طاهرة والأنفحة هي المادة الغليظة التي تكون في الكرش
(قوله ويطهر زيت الخ) قد ذكر هذه المسألة العلامة قاسم في فتواه وكذا ما سيأتي متنا وشرحا من مسائل التطهير بانقلاب العين وذكر الأدلة على ذلك بما لا مزيد عليه وحقق ودقق كما هو دأبه رحمه الله تعالى فليراجع ثم هذه المسالة قد فرعوها على قول محمد بالطهارة بانقلاب العين الذي عليه الفتوى واختاره أكثر المشايخ خلافا لأبي يوسف كما في شرح المنية والفتح وغيرهما و عبارة المجتبي جعل الدهن النجس في صابون يفتي بطهارته لأنه تغير و التغير يطهر عند محمد ويفتي به للبلوى.