وظاهره أن دهن الميتة كذلك لتعبيره بالنجس دون المتنجس إلا أن يقال هو خاص بالنجس لأن العادة في الصابون وضع الزيت دون بقية الأدهان تأمل ثم رأيت في شرح المنية ما يؤيد الأول حيث قال وعليه يتفرع ما لو وقع إنسان أو كلب في قدر الصابون فصار صابونا يكون طاهرا لتبدل الحقيقة.
ثم اعلم أن العلة عند محمد هي التغير وانقلاب الحقيقة وأنه يفتي به للبلوى كما علم مما مر ومقتضاه عدم اختصاص ذلك الحكم بالصابون فيدخل فيه كل ما كان فيه تغير وانقلاب حقيقة وكان فيه بلوى عامة فيقال كذلك في الدبس المطبوخ إذا كان زيته متنجسًا ولاسيما أن الفار يدخله فيبول ويبعر فيه وقد يموت فيه.
وقد بحث كذلك بعض شيوخ مشايخنا فقال وعلى هذا إذا تنجس السمسم ثم صار طحينة يطهر خصوصا وقد عمت به البلوى وقاسه على ما إذا وقع عصفور في بئر حتى صار طينا لا يلزم إخراجه لاستحالته قلت لكن قد يقال إن الدبس ليس فيه انقلاب حقيقة لأنه عصير جمد بالطبخ وكذا السمسم إذا درس واختلط دهنه بأجزائه ففيه تغير وصف فقط كلبن صار جبنا وبر صار طحينا وطحين صار خبزا بخلاف نحو خمر صار خلا وحمار وقع في مملحة فصار ملحا وكذا دردي خمر صار طرطيرًا وعذرة صارت رمادا أو حمأة فإن ذلك كله انقلاب حقيقة إلى حقيقة أخرى لا مجرد انقلاب وصف كما سيأتي و الله أعلم.
-وانقلاب العين يعبر عنه بالاستحالة والاستحالة استفعالة من حال يحول إذا تغير أو انقلب أو زال أصلها استحوال بوزن استفعال أُعلت عينه بحذف حرف العلة وهو الواو وهو عين الفعل وعُوضت عنه بتاء التأنيث فصارت استحالة قال ابن مالك في اللامية:
ما عَيْنُه اعْتَلَتِ الإفعالُ منه والاستفعالُ بالتَّا وتَعويضُ بها حَصَلا
من المُزالِ
وشرعًا: تغير يحصل في العين النجسة يؤدي إلى زوال أعراضها وتبدل أوصافها يزول بسببه الاسم الأول لزوال الصفات القديمة.
وهي من المطهرات لأنها أزالت العلة التي لأجلها وقع التحريم اتفاقا عند الأحناف والزيدية والظاهرية وأبي محمد بن حزم وعلى المشهور عند المالكية وعلى إحدى الروايتين عند الإمام أحمد.
وقد قطع شيخ الإسلام ابن تيمية من الحنابلة على أنها مطهرة لا فرق في ذلك بين الاستحالة الواقعة من الله ابتداء وبين الواقعة بكسب إنسان كما سيراه القارئ الكريم إن شاء الله تعالى.
-إذا حرق إنسان نجاسة حتى صارت رمادًا فإن هذا الرماد يصبح طاهرًا على المعتمد عند العلماء في المذهب المالكي وإذا كان هذا الرماد طاهرًا ترتب على ذلك جواز حمله في الصلاة وفي الطواف وجواز تناوله إذا لم يكن فيه إضرار بالصحة وبالأحرى إذا خُلط بطعام آخر.
-قال البناني في الخمر: فإذا انقلبت خلا انقلبت سائر الأجزاء التي دخلته فزال حكم النجاسة. ( البناني حاشية على الزرقاني 1/28)
-قال الزرقاني على خليل: إذا كانت النجاسة ذاتية وتغيرت أعراضها جرى فيها قولان والمشهور الفرق بين ما استحال إلى صلاح كالبيض واللبن وما استحال إلى فساد فلا يطهر. ( نفس المصدر 1/24)
-واستدل بحديث ابن أبي شيبة بسنده إلى أبي الدرداء رضي الله عنه في المريّ يجعل فيه الخمرة قال: لا بأس به ذبحته النار والملح.
-وجاء في الذخيرة قاعدة تبين ما تقدم وهي: أن الله تعالى إنما حكم بالنجاسة في أجسام مخصوصة بشرط أن تكون موصوفة بأعراض مخصوصة مستقذرة و إلا فالأجسام كلها متماثلة واختلافها إنما وقع بالأعراض فإذا ذهبت تلك الأعراض ذهابًا كليًا ارتفع الحكم بالنجاسة إجماعًا كالدم يصير منيًّا ثم آدميا … ( الذخيرة 1/180)
وذكر ابن رجب الحنبلي في قواعده في الكلام على طين الطريق المختلط بالنجاسة بعد بحث طويل... والثاني: الاستحالة وفي المذهب خلاف يُبنى عليه طهارة الطين إذا بقيت فيه عين النجاسة ثم استُهلكت فيه حتى ذهب أثرها. (قواعد ابن رجب 1/334)
وهذا الفرع يوافق عليه المالكية قال في المختصر مشبهًا في العفو:"طين مطر وإن اختلطت العذرة بالمصيب لا إن غلبت وظاهرها العفو. ( يعنى ظاهر المدونة) ."
جاء في حاشية ابن عابدين على الدر المختار معلقا على ما جاء في رد المحتار من قول صاحب: والمسك طاهر حلال وكذا نافجته مطلقًا على الأصح . قال: لاستحالته إلى الطيبة لأنه وإن كان دمًا فقد تغير فيصير طاهرًا كرماد العذرة. وقال: والمراد بالتغيير الاستحالة إلى الطيبة وهي من المطهرات عندنا. ( الدر المختار1/209)
كذلك أومأ ابن قدامة إلى هذه العلة في المغنى بقوله في الكلام على دبغ جلد الميتة بعد أن ذكر القول الأول بأنه: لا يطهر عندهم قال: والثاني: يطهر لقوله -صلى الله عليه وسلم:"أََيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ". ولأنه طهر بانقلابه فلم يفتقر إلى استعمال الماء كالخمر إذا انقلبت خلا. ( المغنى 1/59-60)
ثم قال العلامة ابن تيمية: وأما دخان النجاسة فهذا مبني على أصل وهو: أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل: أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحًا طيبًا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادًا ونحو ذلك .. ففيه للعلماء قولان: