والواقع أنه لا يوجد ما يُلجئ المرء إلى هذا التساهل والتفريط، والشاهد على هذا أنك تجد من المسلمين والمسلمات الذين أقاموا في هذه البلاد مدّة طويلة، وربما يحملون جنسية هذا البلد، ومع هذا فهم متمسكون بدينهم كأحسن ما يكون التمسك؛ فتجدهم يحافظون على الصلاة والجمعة، وتجد المرأة ملتزمة بالحجاب حتى في مكان عملها، ولم يتعرضوا لسوء، وأنا مكثت في الولايات المتحدة الأمريكية مدّة أربع سنوات، ووجدت كثيرًا من المسلمين والمسلمات يلتزمون بهدي الإسلام، ولم ينلهم بسبب ذلك أي أذى، بل فرضوا على الناس احترامهم وتقديرهم، وكانوا بسلوكهم هذا دعوة متحركة إلى الإسلام في حق من ينظر إليهم، ويتأمل ما هم عليه من احتشام ومظهر حسن، واستطاعوا أن يربّوا أبناءهم تربية حسنة من خلال المدارس الإسلامية التي أنشؤوها بأموالهم وخلّصوها من مفاسد المدارس المختلطة.
ولكن الذين يتّبعون الشهوات ويغويهم الشيطان يتعلّلون بأوهى الشّبه لكي يبرروا لأنفسهم ما هم عليه من معصية ومخالفة.
وعلى هذا فلا يجوز التساهل في الالتزام بأحكام الإسلام، وفيما يتعلق بالمدارس المختلطة لا يجوز الالتحاق بها إلا إذا لم يوجد البديل السالم من مفسدة الاختلاط، واحتاج الإنسان إلى هذه الدراسة، وعليه في هذه الحال أن يتجنب الاختلاط داخل مكان الدراسة بقدر الإمكان. وعلى المسلمين في تلك البلاد أن يسعوا إلى إنشاء المدارس الإسلامية التي يستغنون بها عن المدارس المختلطة.
كيف نحقق التوازن بين الحفاظ على الهويّة والشخصية في المجتمع الغربي وبين الانخراط والتفاعل مع أهل البلاد الأصليين دون الذوبان؟
يحقق المسلم الذي يعيش في بلاد الغرب التوازن بين الحفاظ على الهُويّة والشخصية الإسلامية وبين الانخراط والتفاعل مع أهل البلد دون ذوبان بأن يبقى في قلبه التبرّؤ من دينهم، وبُغض ما هم عليه من كفر وانحراف وفساد، وإنكار ما هم عليه من باطل، ويبتعد عن موالاتهم ومحبتهم، ويبقى ولاؤه ومحبّته للمسلمين، ويمتنع عن مخالفة أحكام الإسلام ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يستشعر دومًا انتماءه للأمة الإسلامية. وعليه أن يتجنب التحاكم إلى محاكم القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية فيما لا تدعو الضرورة إليه، وأن يتعاون مع إخوانه المسلمين في كل ما من شأنه خدمة الدين مثل إقامة المراكز الإسلامية والمدارس والأندية الثقافية التي تنشر الثقافة والوعي، وتربط أبناء المسلمين باللغة العربية.
ومع كل هذا عليه أن يلتزم بأنظمة البلد التي لا تتعارض مع الشريعة، ويتعامل معهم بالصدق والأمانة سواء كان هذا في عمله الوظيفي أو في معاملاته المالية معهم من بيع وشراء ونحو ذلك، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعامل مع المشركين وأهل الكتاب، ومن ثمرة هذا أنه يظهر المسلمين في صورة من يحترم الأنظمة ولا يحتال عليها.
وعليه لكي يحافظ على أسرته من الذوبان في المجتمع الغربي أن يحرص على الزواج من امرأة مسلمة، ويتجنب الزواج من الكتابيّة؛ لأن الزواج منها يعود عليه بالضرر في تربية أبنائه؛ لأنهم في الغالب سينشؤون على غير هدي الدين الإسلامي، ولن يعرفوا اللغة العربية، وهذا قد يجرهم في المستقبل إلى التحلّل من دينهم وأخلاقهم، وأذكر في هذه المناسبة قصة عاصرتها بنفسي، وهي أن أحد الإخوة العرب المسلمين المقيمين في أمريكا ذكر لي أنه تزوج من امرأة نصرانية وأنجبت له عددًا من الأولاد، وبعد مضيّ مدة طويلة على زواجهما فوجئ في أحد الأيام أنها غادرت المنزل، وأخذت معها الأولاد إلى جهة غير معروفة، وتركت له رسالة تشعره أنه يجب عليه أن ينسى أمرها وأمر الأولاد، فصُدم الزوج المسكين، وأظلمت الدنيا في عينيه، واستمر مدة طويلة يبحث عن أبنائه دون جدوى، والقانون الأمريكي لم ينصفه في هذا الأمر لكونه يقف إلى جانب المرأة على زوجها، وقد دفعتني هذه القصة المؤلمة إلى إعداد خطبة جمعة عن أضرار الزواج من الكتابيات ألقيتها آنذاك في معهد العلوم الإسلامية والعربية في فرجينيا.
وسافرت مرة إلى إحدى المدن الأمريكية الكبرى، واستضافني أحد الإخوة العرب المقيمين في أمريكا، ولما دخلت منزله أقبلت عليّ ابنتاه الصغيرتان في سن الثامنة أو التاسعة، فأخذت أكلمهما باللغة العربية فلم يفهما عني، فكلّمهما والدهما باللغة الإنجليزية، وقال لي: إنهما لا تحسنان اللغة العربية؛ لأن والدتهما ليست عربية، ولا تتكلم سوى الإنجليزية، ولم أستطع تعليمهما العربية بسبب كثرة مشاغلي، وقلة الوقت الذي أمكثه معهن فأصبحت اللغة الإنجليزية هي القاسم المشترك بيننا، فعاتبته على هذا التفريط، ودفعتني هذه القصة في هذه المرة إلى إعداد خطبة عن أهمية المحافظة على اللغة العربية في بلاد الأقليات الإسلامية.
وعلى المسلم في تلك البلاد أن يتعاهد أبناءه؛ فيرسلهم إلى المدارس الإسلامية ولو في أوقات الإجازة، ويربطهم بالمركز الإسلامي وأنشطته، ويخصص لهم وقتًا يعلمهم فيه، ويوجّههم، ويبعدهم عن رفقة السوء، ويجنّبهم وسائل الإعلام التي تؤثر على سلوكياتهم.