فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 830

ولكن ينبغي -إذا قيل بجواز هذا- أن يكون على أضيق نطاق، ولا يقدم عليه إلا من كان لديه من العلم والدين ما يحصّنه من الذوبان في تلك المجتمعات الكافرة.

الفتاوى المصدّرة من بلاد إسلامية إلى بلاد الأقلّيات، كيف تقدرون أثرها على الواقع الفقهي في بلاد الأقليات؟ وما هو توجيهكم في هذا الصدد؟

الفتاوى التي تصدر من البلاد الإسلامية إلى بلاد الأقليات لها أهميتها ومنزلتها وبخاصة إذا كانت صادرة من العلماء المشهورين بالرسوخ في العلم والفتوى، أو كانت صادرة من المجامع الفقهية والمؤسسات الشرعية التي تُعنى بفقه الأقليات، وكثيرًا ما يتطلع مسلمو الأقليات إلى معرفة فتاوى العلماء في البلاد الإسلامية ويثقون بها ثقة كبيرة، وسبب هذا في نظري هو قلة العلماء المتخصصين في علوم الشريعة في بلاد الأقليات الإسلامية، وشهرة بعض العلماء في العالم الإسلامي.

ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن بعض الفتاوى التي تصدر من بلاد إسلامية ينقصها تصور واقع حال الأقليات، وعدم إدراك اختلاف بعض الأحوال والعوائد والأعراف التي تؤثر في إعطاء الحكم في بعض المسائل، كما أن بعض المفتين قد لا يدرك حجم الضرورة أو الحاجة التي قد يقع فيها مسلمو الأقليات، فيغفل هذا الجانب كلية عند إعطاء الفتوى، وفي المقابل تجد بعض المفتين يستصحب حكم الضرورة في كل المسائل التي تُعرض عليه، فيقع في التساهل وتمييع الأحكام، وتجد أيضًا أن بعض المفتين لا يراعون اختلاف مذاهب المستفتين، وبخاصة بعد وقوع الفعل من المستفتي الذي يكون مقلدًا فيه للمذهب الفقهي الذي ينتسب إليه.

ترد للعلماء في البلاد الإسلامية أسئلة من مسلمين في بلاد الغرب، فكيف يتعامل معها المفتي في هذه الحالة خصوصًا إذا كان أمام الناس؟

يتعامل مع هذه الأسئلة كما يتعامل مع أي أسئلة فقهية أخرى تُعرض عليه لكن مع ملاحظة ما تقتضيه طبيعة هذه الأسئلة من معرفة للواقع الذي نشأت فيه، وإذا كان بعض هذه الأسئلة يحتاج إلى استفسار واستفهام فعليه قبل أن يجيب أن يسأل أهل الخبرة والمعرفة حتى يفتي على بصيرة، كما أن هناك بعض الأسئلة قد لا يحسن أن يجيب عنها المفتي أمام الناس لما لها من خصوصية؛ لكونها قضية عين، فيُخشى أن يفهم الناس أن فتواه عامة في كل حال، وهو إنما أجاب عن هذه المسألة لاعتبارات يدركها في هذه الواقعة قد لا يلاحظها غيره من عامة الناس.

نريد أن نسألكم في أولويّات القضايا، فهل على المسلم في الغرب (والمسلم الغربي) أن يهتم بقضايا بلده أولًا أم يهتم بقضايا المسلمين خارج بلده؟

المسلم عليه أن يهتم بقضايا المسلمين ويتفاعل معها، ولو كان يعيش في بلد غير إسلامي؛ لأن هذا هو منطلق الرابطة العقديّة التي تجمعه مع إخوانه المسلمين؛ فهو يألم لألمهم ويفرح لفرحهم وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"متفق عليه.

واهتمامه بقضايا المسلمين لا يتعارض أيضًا مع اهتمامه بقضايا البلد الذي يعيش فيه؛ فيتفاعل مع هذه القضايا أيضًا بما يخدم مصلحته ومصلحة إخوانه المسلمين ويشارك في البرامج والأعمال التي تخدم مصلحته ومصالح المسلمين إذا كانت هذه الأعمال لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

ولو قُدّر وجود تعارض بين الاهتمام بقضايا بلده وقضايا المسلمين، فعليه أن يقدم الاهتمام بقضايا المسلمين، ولكن عليه أن يكون فطنًا بحيث يتخذ الأسلوب الحكيم الذي يحقق المقصود، ولا يثير المشاكل أو يجلب الضرر، أو يستعدي عليه الناس.

ما حكم تقديم بعض التنازلات من قبل المسافرين إلى الدول الغربية مثل خلع النقاب، وإلحاق الأبناء بمدارس مختلطة لعدم وجود البديل؟

كثير ممن يسافر إلى البلاد غير الإسلامية يسارع إلى تقديم تنازلات كثيرة مدفوعًا بوهم أنه لا يستطيع المحافظة على أحكام الشريعة الإسلامية في هذه الأمور بسبب غلبة الكفار وقلة المسلمين وضعفهم، وقد يوقع الشيطان في رُوعه أنه إذا حافظ على هذه الأحكام قد يتعرض للأذى والمساءلة، وما إلى ذلك، ولهذا تجد المرأة على سبيل المثال تخلع حجابها، وتلبس لباس الكافرات من أول وصولها إلى تلك البلاد، وتجد الرجل يفرّط في أداء الصلاة، ويحلق لحيته.. إلى غير ذلك من التساهل الغريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت