فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 830

الانتقال إلى الأقطار غير الإسلامية والإقامة فيها تختلف دوافعه وأسبابه من شخص إلى آخر، ولذا فإن الحكم الشرعي يختلف باختلاف الدافع والسبب الحامل على ذلك، فإذا اضطر المسلم إلى الانتقال إلى تلك البلاد والإقامة فيها بسبب أنه يحصل له في بلده اضطهاد في دينه بحيث لا يستطيع أداء الشعائر التعبّدية، وخشي أن يُفتن في دينه أو يلحقه أذى في نفسه أو ماله أو أهله أو عرضه، فحينئذ له أن ينتقل إلى البلد التي يأمن فيها من هذه المفاسد، قال ابن حزم -رحمه الله-:"وأما من فرّ إلى أرض الحرب بظلم خافه، ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره".

واشترط بعض الفقهاء لجواز اللجوء إلى بلد الكفر في هذه الحالة ما يلي:

أن يقع الظلم حقيقة على المسلم في بلاد الإسلام، وأن توفر له البلد التي لجأ إليها الأمن والحماية، وألاّ يوالي الكفار أو يعينهم على المسلمين، وأن ينوي الرجوع متى زال العذر، وأن يلتزم بأحكام الإسلام في البلد التي لجأ إليها، وأن يدعو غيره للإسلام، وهذا يدخل في قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات.

ويجوز أيضًا السفر إلى البلاد غير الإسلامية لأي غرض صحيح كغرض الدعوة إلى الله تعالى ونشر الإسلام، وتعليم الناس أحكام دينهم، وكغرض الدراسة وطلب العلم الذي لا يوجد في بلاد المسلمين، ومثل السفر للتداوي والعلاج، وكذلك السفر للتجارة.

وتجوز الإقامة هناك لمن كلّفه ولي الأمر بالعمل في السفارات والقنصليات والمراكز الإسلامية لرعاية شؤون الجالية الإسلامية هناك، وهذا العمل له أثر كبير في الاهتمام بشؤون الجالية، وتنظيم أمورها وأحوالها، والتعريف بالإسلام وبث الدعاة، والتحذير من المفاسد المنتشرة في بلاد الكفر.

ويتضح من خلال الإجابة عن هذا السؤال أن ما ذُكر من أن الفتوى السائدة لا تسمح للمسلمين أن يهاجروا إلى بلاد غير إسلامية مهما كانت الظروف أو الضغوط غير صحيح، ولكن الفتوى مقيّدة بشروط محددة يلزم توافرها للقول بالجواز، وبعض هذه الشروط محل اجتهاد عند الفقهاء.

في ظل هجرة هؤلاء، يأخذ الكثير منهم جنسية البلاد التي يعيشون فيها، والبعض يحرم هذا. فما رأي فضيلتكم في حصول المسلم على جنسية بلد غير مسلم؟

اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم التجنّس بجنسية الدولة غير المسلمة فمنهم من منع من ذلك، وهم الأكثر واحتجوا بأن التجنّس فيه موالاة لأهل الكفر، وهي محرمة فالتجنّس يوجب التبعيّة لغير الدولة الإسلامية والخضوع لنظامها، كما أن التجنّس يفرض على صاحبه الخضوع المطلق لقوانين الدولة المانحة للجنسية في كل ما يتعلق بشؤون حياته، وأغلب هذه القوانين كفريّة تصادم قواطع الشريعة الإسلامية، مثل: إباحة الزنا والربا والردّة باسم الحرية وحقوق الإنسان.

ولأن التجنس يقتضي من صاحبه أن يدافع عن تلك الدولة، ويشارك في جيشها عند قيام حرب بينها وبين دولة أخرى ولو كانت مسلمة، ومن المعلوم أنه لا يجوز الركون إلى أهل الكفر والظلم، ولا التعاون على الإثم والعدوان ومعاونة غير المسلمين على مقاتلة المسلمين.

وقالوا: إن من يريد التجنّس لابد أن يقيم إقامة دائمة في البلد لكي يحصل على جنسيتها، والإقامة الدائمة بلا ضرورة محرّمة.

وهناك من الفقهاء من أباح التجنّس بجنسية الدولة غير الإسلامية، وعلّلوا بأن الإقامة في بلد الكفر مع الأمن على الدين والنفس والعرض والمال جائزة، والتجنّس لا يزيد عن الإقامة إلا بمجرد الانتساب إلى الدولة.

وقالوا: إن التجنّس يكسب الإنسان قوة وصلابة في المجتمع، ويعطيه القدرة على المطالبة بحقوقه، ويسهّل له قضاء أموره ومصالحه، ويضمن للإنسان التمتّع بالحقوق والحريات الأساسية التي غالبًا ما تنعدم في البلاد الإسلامية.

وذكروا أن التجنّس بجنسية الدولة الكافرة في هذا العصر يكسب الإنسان مكانة و حماية قد لا يجدها في كثير من الدول الإسلامية، ويجعله يتمتع بحقوق كثيرة تمكنه من العطاء أكثر، ولاسيما في مجال الدعوة إلى الله تعالى، وخدمة الإسلام.

وذكروا أن التجنّس،وإن كان فيه بعض المفاسد، ولكن المصالح المتحقّقة بوساطته أكثر، و من القواعد الشرعية أنه يتحمل الضرر الأخص لجلب مصلحة تفويتها أشدّ.

كما علّلوا بأن الإنسان قد يضطر في كثير من الأحيان للتجنّس كي يحافظ على حياته كمن اضطهد في بلاده ولم يجد لنفسه فيها مأمنًا، ولم يُسمح له بالمقام في بلاد الكفر إلا إذا تجنّس، فحينئذ لا مانع من التجنّس مادام يحافظ على الفرائض الدينية ويبتعد عن المحرمات.

وعليه مع ذلك أن يحرص على استقلال شخصيته الإسلامية وأن يستشعر دومًا انتماءه للأمة الإسلامية، فينوي العودة إلى بلده متى زالت الضرورة.

واستثنى بعض الفقهاء المعاصرين من المنع أيضًا:

أن يتجنس المسلم لتحقيق مصالح كبرى للمسلمين كالدعوة إلى دين الله -عز وجل- والتعريف بالإسلام أو تحصيل علوم ضرورية يحتاجها المسلمون، ونحو ذلك، ولا يستطيع تحقيق هذه المصالح إلا بالتجنس، ومرجع هذا إلى قاعدة المصالح والمفاسد والموازنة بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت