فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 830

يُراد بمصطلح فقه الأقليات الإسلامية معرفة الأحكام الشرعية التي يحتاج إليها المسلمون الذين يقيمون في بلاد تحكمها سلطة غير إسلامية، ووُصفوا بالأقليات؛ لأنهم أقلية بالنسبة للمجتمع الذي يعيشون فيه من غير المسلمين.

وقد نشأ هذا المصطلح في هذا العصر لانتشار الأقليات الإسلامية، وحاجتهم إلى معرفة الأحكام الشرعية في الوقائع التي تنزل بهم، والمتأمّل في حال الأقليات الإسلامية يجد أنه لا يمكن أن يُقاس بحال المسلمين الذين يعيشون في البلاد الإسلامية من كل وجه، لأن مسلمي الأقليات يفتقدون كثيرًا من المقومات الأساسية كوجود الحاكم المسلم، والمحاكم الإسلامية، والأنظمة الإسلامية؛ سواء كانت في مجال الأحوال الشخصية أو المعاملات المالية، أو الجنايات والقضاء، كما أنهم يتعاملون مع غير المسلمين بشكل دائم بسبب إقامتهم في بلادهم، ولهذا احتاجوا إلى من يقوم بدراسة المسائل المختصة بهم على ضوء هذه الحال، فوُجد الاهتمام بهذا الفقه من قبل المتخصصين، وأُنشئت المجامع الفقهية في البلاد الغربية لدراسة مسائل هذا الفقه كالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية.

ما دقّة تسمية هذا الفقه بـ"فقه الأقلّيات"؟ وهل يمكن تطبيق هذا الفقه على بلاد تتسمى بالإسلامية، لكنها أبعد في واقعها عن الإسلام؟

تسمية هذا الفقه بفقه الأقليات تسمية اصطلاحية يُراد منها تمييز هذا الفقه بحسب موضوعه، وموضوعه: المسائل التي يحتاج إلى معرفة حكمها المسلمون الذين يعيشون في بلاد كافرة، فإذا أُطلق هذا الاسم تبادر إلى الذهن المسائل التي يتناولها هذا الفقه، وانتشرت هذه التسمية في العصر المتأخر لوجود الأقليات الإسلامية في كثير من البلاد غير الإسلامية، مما لم يكن معهودًا في العصور السابقة.

ولا أرى مناسبة إطلاق هذا الاصطلاح على بعض البلاد الإسلامية، وإن كانت في واقعها بعيدة عن الإسلام، ويجد المسلم المحافظ على دينه فيها الغربة؛ لأننا بهذا كأننا نساويها ببلاد الكفر، ونحكم على هذه البلاد بأنها غير إسلامية، ونحكم على معظم أفرادها بأنهم غير مسلمين وهذا غير صحيح، نعم قد تكون هذه البلاد مقصرة في تطبيق الشريعة، وقد يكون كثير من أفرادها غير ملتزمين بأحكام الدين، ولكن يبقى لهذه البلاد وأهلها وصف الإسلام، فهم ينتسبون إلى الإسلام ويرفعون شعاره ولو ظاهرًا، وتظهر فيها الشعائر التعبّدية، وتجد أكثر أهلها ملتزمين في الجملة بأحكام الإسلام، بخلاف البلاد الكافرة التي لا تنتسب إلى الإسلام في شيء، وتظهر فيها معالم الكفر، فهناك فرق كبير بين الحياة في هذه البلاد والحياة في بلاد الكفر، ولو افترضنا وجود بعض المسائل التي يحصل فيها اشتراك فهي قليلة لا تقتضي التسوية بينهما في الحكم.

نريد أن تُجملوا لنا معالم وأصول وقواعد هذا الفقه، حتى يمكن ضبط الفروع المندرجة تحتها؟

ينبغي في البداية أن نعلم أن فقه الأقليات الإسلامية هو جزء من الفقه الإسلامي، وليس أجنبيًا عنه، ولهذا فهو يحمل معالم وأصول الفقه الإسلامي المعروفة لدى الفقهاء، ولكنه يتميّز في موضوعه بجملة أمور أُجْمِلُها فيما يلي:

-يعتمد هذا الفقه في كثير من مسائله على قواعد الضرورة والحاجة.

-كما يعتمد في كثير من مسائله على تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد، والموازنة بينهما.

-دراسة هذا الفقه تقتضي إدراك واقع الأقلّيات الإسلامية من ناحية أحوال حياتهم الاجتماعية والسياسية، ومعرفة طبيعة أعمالهم، وعلاقاتهم مع غيرهم، وما يمرّون به من أحوال وعوائد تؤثر في إعطاء الحكم.

-دراسة هذا الفقه تحتاج إلى الإلمام في الجملة بالأنظمة والقوانين التي تُفرض على المسلمين في تلك البلاد.

-ضبط فقه الأقليات الإسلامية يقتضي من صاحبه الاطّلاع على المسائل والوقائع التي يكثر السؤال عنها في بلاد الأقليات سواء كان هذا في جانب العبادات أو المعاملات أو الأحوال الشخصية، وغيرها، ويوجد هذا في فتاوى العلماء المشهورين، وفي قرارات المجامع الفقهية التي تناولت فقه الأقليات الإسلامية، وفي الدراسات والأبحاث العلمية التي تناولت هذا الفقه من قبل المهتمين من أهل العلم.

هناك الكثيرون في الأقطار الإسلامية يهاجرون إلى دول غربية، إما لضغوط سياسية أو اقتصادية لتحسين المستوى المادي والحياة الجيدة، مع أن الفتوى السائدة لا تسمح للمسلمين أن يهاجروا إلى بلاد غير إسلامية مهما كانت الظروف أو الضغوط. فما رأي فضيلتكم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت