ويمارس المسلمون في جنوب إفريقية نشاطهم السياسي بفعالية، بل يمكن القول إنهم منخرطون في العملية السياسية، وفي الوزارة أكثر من أربعة وزراء من المسلين، ويوجد عشرة سفراء يمثلون بلادهم في الخارج، وهناك عضوية ملموسة من المسلمين في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ولكن هناك من انضم إلى أحزاب أخرى واستطاع المسلمون تجاوز عملية الفصل العنصري بعد سقوط هذا النظام. فبعد أن كانوا يعيشون في كانتونات وممنوع عليهم الانخراط في المجتمع صاروا أكثر اندماجًا في المجتمع. والمعروف أن الإسلام انتشر في جنوب إفريقية قبل ثلاثمائة سنة عندما كانت مستعمرة هولندية، وكانت هولندا في ذلك الوقت تحتل ماليزيا وإندونيسيا، فانتقل العديد من المسلمين للعمل بالتجارة في جنوب إفريقية، وتمركزوا في"كيب تاون"التي تقع بين المحيطين الهادي والهندي، ثم تحولت جنوب إفريقية إلى مستعمرة إنجليزية، فسافر الكثير من المسلمين الهنود، وتمركزوا في مدينة"ديربن"الواقعة على المحيط الهندي، وكان لهؤلاء الدور الكبير والمؤثر في نشر الإسلام.
وشكل النظام العنصري حاجزًا ضد نشر الإسلام؛ إذ ضيق على حركة المسلمين والمؤسسات الإسلامية، وكان الانتقال إلى مجتمعات الأفارقة لنشر الإسلام في منتهى الصعوبة، وبعد سقوط هذا النظام بدأت الحركة الدعوية في نشر الإسلام فدخل الآلاف في دين الله أفواجًا، ويُلاحظ أن هناك مساعي للفصل بين المسلمين على أساس عرقي كالأفارقة والهنود والمالوية، وهو ما يجعل من يزور البلاد زيارة سريعة، فيصدر أحكامًا ضد عرق أو فئة على أخرى بسبب انطباع عاطفي بعيد عن الحقيقة المادية لواقع المسلمين هناك.
يبقى أن أقول إن المسلمين في جنوب إفريقية محل استهداف طوائف ودول كثيرة بدأ ينعكس بشكل سلبي خلال الفترة القليلة الماضية من خلال إضعافهم وتفكيك وحدتهم
حوار: عبد الله بن محمد الرشيد / الرياض 6/5/1426
-فقه الأقلّيات جزء من الفقه الإسلامي.
-التجنّس بجنسيّة غربيّة لا يمنع الولاء للأمة الإسلاميّة.
-الهجرة للبلاد غير الإسلاميّة مقيّدة بشروط وليست مطلقة.
-الحفاظ على الهُوِيّة في الغرب والذوبان يفصل بينهما خيط رفيع
تُعدّ قضية الجاليات الإسلامية في الغرب واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وإثارة للجدل؛ إذ يمثل الوجود الإسلامي فيه ثِقلًا بشريًا يقدَّر بحوالي (22) مليون مسلم في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية فقط، وقد بدأت هجرة المسلمين إلى الغرب في العصر الحديث -وبشكل ملحوظ- بعد الحرب العالمية الثانية لأسباب متعددة منها: ابتغاء الرزق، وتحصيل العلم، وطلب الأمن فرارًا من الاضطهاد، وغيرها من الأسباب..، بيد أن هذه الهجرة قد اتسعت وتضاعفت أعدادها، وتحوّلت من كونها هجرة عابرة إلى جالية مستقرة تبحث عن مقتضيات وجودها خاصة مع ظهور الجيل الثاني والثالث الذين حملوا الجنسيات الأوروبية والأمريكية ولغاتهم، فتعززت الحاجة إلى قيام المؤسسات التي تحتاج إليها الجماعات المسلمة حفاظًا على هُويّتها وشخصيّتها دون عزلة أو انكفاء؛ فأُنشئت المساجد للعبادة، والمدارس للتعليم، والأندية للتوجيه والترفيه، وعُقِدت المؤتمرات، وأُقيمت المخيمات، وأُلقيت الدروس والمحاضرات، وفُرِّغ الدعاة والمعلِّمون، وإزاء هذا الوجود المتعاظم للجالية الإسلامية إضافة إلى الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين الذي نشأ في بلاد الغرب، واعتناق العديد من الأوروبيين والأمريكان للدين الإسلامي، والنظر إلى العيش في الغرب على أنه بلد المواطنة؛ فقد برزت تحدّيات وإشكالات حول مرتكزات العلاقة وفقه الأقليات المسلمة في مجتمع يعيش خارج دار الإسلام، ولئن قرر فقهاؤنا أن الفتوى تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فإن أعظم مظهر لتغيّر المكان هو اختلاف دار الإسلام عن غيرها.. فما طبيعة وجود الجاليات الإسلامية في الغرب؟ وما مدى شرعية هذا الوجود؟ وما الحقوق والواجبات المترتبة عليه؟ وما التحدّيات التي تواجه هذا الوجود؟ وما الإشكالات الفقهية الناجمة عنه؟ وكيف عالجها الفقه الإسلامي؟
في هذا الحوار مع الدكتور أحمد بن محمد الخضيري -عضو هيئة التدريس بقسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود، وعضو الجمعية الفقهية السعودية- نلقي الضّوء على كثير من الإشكاليات التي تعاني منها تلك الأقليات وطرائق حلها، كما نرصد الفتاوى التي تصل للغرب من الديار الإسلامية بجانب مسائل أخرى استحدثها التطوّر في الغرب، وبقي لازمًا على الفقهاء أن يفتوا فيها..
ومن نحاوره في هذا الموضوع عالم له باع طويل في فقه الأقلّيات، جمع بين العلم الشرعي والمعايشة لتلك المجتمعات؛ إذ ابتعث ضيفنا للتدريس في الولايات المتحدة الأمريكية، وعمل على مدى أربع سنوات مدرسًا بمعهد العلوم الإسلامية والعربية في واشنطن في الفترة من (1416 - 1420) هـ، ألقى فيها الكثير من الدورات داخل الولايات الأمريكية.
فإلى الحوار...
ما المقصود بمصطلح فقه الأقلّيات الإسلامية؟