فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 830

رابعًا: انخراط المسلمون في جنوب إفريقية في الحياة هناك، واندماجهم مع المجتمع سواء كانوا من السود ـ الأغلبية ـ أو من (البيض) الأمر الذي جعلهم جزءًا من نسيج المجتمع الجنوب إفريقي، عكس الجاليات المسلمة في أوروبا وأمريكا، التي ذاب بعضها تمامًا في المجتمع، كما حدث للمهاجرين الأوائل، أو العزلة عن المجتمعات الأوروبية خوفًا من الذوبان، ولكن الجالية المسلمة في جنوب إفريقية والتي يصل تعدادها إلى المليون نسمة من أصل (44) مليون جميع سكان البلاد، منخرطة تمامًا في الحياة، وتمارس دورها الاجتماعي و السياسي بفعالية، وتلعب مؤسساتهم دورها في التأثير على صناعة القرار، ويساعدهم على ذلك أن معظم المسلمين من الأثرياء الذين يملكون رؤوس الأموال الكبيرة، ومن الطبقة المتعلمة، فمنهم الأطباء والمهندسون والمعلمون، وهذا التعليم العالي أوجد نوعًا من الوعي بأهمية دور الجالية في المجتمع وتأثيرها عليه، فهناك أكثر من ألفي طبيب مسلم و"اتحاد الأطباء المسلمين"يجمعهم، كما أن هناك طبقات فقيرة من المسلمين ذوي البشرة السوداء، ولكن يجدون الدعم والمساندة من إخوانهم، ويستثمر أثرياء المسلمين أموالهم في العقارات وتجارة السجاد وتشييد المصانع مثل صناعة الملابس، ولديهم الكثير من توكيلات السيارات، ونشاطهم ظاهر وملموس في تجارة الذهب والألماس. ويُعدّ المسلمون من ذوي الأصول الهندية الأكثر ثراءً وتعليمًا، وهؤلاء يتمركزون في العاصمة جوهانسبرج، أما المسلمون ذوي الأصول المالوية فهم الأقل ثراءً بل معظمهم من الفقراء ويتمركزون في (الكاب) ، وعمومًا لا توجد تقسيمات إحصائية تحدد نسبة المسلمين الهنود من المالويين، وإن كانت الفئة الأولى الأكثرية، وهم الذين يشيدون المساجد التي يبلغ عددها أكثر من خمسمائة مسجد، كما أن لديهم مدارس إسلامية راقية جدًا ذات إمكانيات كبيرة، وتوصف بأنها من أفضل المدارس التعليمية على مستوى البلاد ولها سمعة جيدة.

ولذلك لا تجد المسلمين في جنوب إفريقية يطلبون مساعدات أو معونات مادية من العالم الإسلامي بل هم يقدمون هذه المعونات، وهو الأمر الذي انعكس على وضعية الجالية وقراراتها، وتميز نشاطها، وعدم تابعيتها لتيار من التيارات أو عدم اختراقها من الخارج.

إشكالات ... وقضايا

ولذلك نجد مطالب المسلمين هناك تنحصر في طلب مصاحف من أرض الحرمين الشريفين، خاصة من طباعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف في المدينة المنورة، وترجمات معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية والأوردية والمالوية والكتب الدعوية وأشرطة القرآن الكريم بصوت أئمة الحرمين الشريفين.

ومن أكبر المشكلات التي تواجه الجالية المسلمة هناك قضايا فقه الواقع، والنوازل وما يستجد من مستحدثات العصر، فمعظم مرجعيات الجالية من الأحناف الذين يفتقرون إلى الاجتهاد في قضايا النوازل، وهم من كبار السن ومن المتأثرين بالمدرسة الديبوندية، وقد ظهر جيل من الشباب المسلم المتعلم والمتفتح على علماء الأمة، وأخذ في طرح القضايا المعاصرة والتفقه فيها، والأخذ بفقه الأقليات الذي أصّل له المجمع الأوروبي للإفتاء، نظرًا لأن الجالية أقلية وتعيش في وسط مجتمع أغلبية غير مسلمة، وهذا أوجد نوعًا من التماس بين فكر الشيوخ الدبونديين والبريالوية، وبين الشباب المسلم المنفتح على مذاهب ومدارس فقهية أخرى لها اجتهاداتها، ويحظى المسلمون بحس سياسي كبير، ومشاركة فاعلة ومدروسة ومن ذلك دور الجالية المسلمة المؤثر في"قمة الأرض"، والتصدي لمشاركة إسرائيل فيها، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة للانسحاب تضامنًا مع إسرائيل، فقد استطاع المسلمون بالتعاون مع الجمعيات المناوئة للتمييز العنصري تنظيم التظاهرات المناهضة لإسرائيل وأمريكا والمؤيدة للقضية الفلسطينية أثناء القمة.

ومن الإشكاليات التي تواجه المسلمين في جنوب إفريقية قضايا"الربا"، و"التأمين على الحياة"، والقضايا الطبية، ومشكلات اجتماعية مثل الزواج وغيرها، الأمر الذي جعل مرجعياتهم من الشباب يلجؤون إلى الفتاوى الصادرة من هيئة كبار العلماء في السعودية أو من مجلس الإفتاء الأوروبي أو مجمع البحوث الإسلامية بمصر، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة للأخذ بها، مع وجود بعض الاجتهادات الشاذة جدًا نتيجة الانغلاق والبعد عن دائرة الاجتهاد الشرعي؛ مما جعل آراء شاذة ومنكرة كالشذوذ الجنسي وإمامة المرأة للرجال في الصلاة وعدم مشروعية الحجاب متداولة في بعض الأوساط.

الانخراط في السياسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت