فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 830

فصل: ولفظ: الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ، الواردة في الكتاب، والسنة، قد يراد بها مسماها المطلق، وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة ؛ والأول: هو الأصل عند الأصوليين ؛ والثاني: لا يحمل الكلام عليه، إلا بقرينة لفظية، أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي، وتفسير السنة، قال تعالى: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) الآية [ إبراهيم:4] وقال تعالى: ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) [ النحل:43-44] . وكذلك: اسم المؤمن، والبر، والتقى، يراد بها عند الإطلاق، والثناء، غير المعنى المراد، في مقام الأمر، والنهي ؛ ألا ترى: أن الزاني، والسارق، والشارب،

ونحوهم، يدخلون في عموم قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) الآية [ المائدة:6] وقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ) الآية [ الأحزاب:69] وقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) [ المائدة:106] ولا يدخلون في مثل قوله: ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ) [الحجرات:15] وقوله (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) الآية [ الحديد:19] . وهذا: هو الذي أوجب للسلف، ترك تسمية الفاسق، باسم الإيمان، والبر ؛ وفي الحديث:"لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر، حين يشربها، وهو مؤمن، وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها، وهو مؤمن"وقوله:"لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه"لكن نفى الإيمان هنا، لا يدل على كفره، بل يطلق عليه اسم الإيمان، ولا يكون كمن كفر بالله ورسله، وهذا هو الذي فهمه السلف، وقرروه في باب الرد، على الخوارج، والمرجئة، ونحوهم، من أهل الأهواء ؛ فافهم هذا، فإنه مضلة أفهام، ومزلة أقدام .

وأما: إلحاق الوعيد المرتب، على بعض الذنوب، والكبائر، فقد يمنع منه مانع، في حق المعين، كحب الله ورسوله، والجهاد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة، في الدور

الثلاثة، ولذلك، لا يشهدون لمعين من أهل القبلة، بجنة ولا نار، وإن أطلقوا الوعيد، كما أطلقه القرآن، والسنة، فهم يفرقون، بين العام المطلق، والخاص المقيد ؛ وكان عبد الله حمار، يشرب الخمر، فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل، وقال ما أكثر ما يؤتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ط لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله"مع: أنه لعن الخمر، وشاربها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه ."

وتأمل: قصة حاطب بن أبي بلتعه، وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه: أنه كتب بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيره لجهادهم، ليتخذ بذلك يدًا عندهم، تحمي أهله، وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب: ظعينة، جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا، والزبير، في طلب الظعينة، وأخبرهما، أنهما يجدانها في روضة: خاخ، فكان ذلك، وتهدداها، حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له:"ما هذا"؟ فقال: يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا

(ص473) رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد، أحمي بها أهلي، ومالي، فقال صلى الله عليه وسلم:"صدقكم، خلوا سبيله"واستأذن عمر، في قتله، فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال:"وما يدريك، أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"وأنزل الله في ذلك، صدر سورة الممتحنة، فقال: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) الآيات .

فدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، معه أن في الآية الكريمة، ما يشعر: أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضل سواء السبيل، لكن قوله:"صدقكم، خلوا سبيله"ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، وإذا كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب ؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال: خلوا سبيله

ولا يقال، قوله صلى الله عليه وسلم:"ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته، ما يمنع من لحاق الكفر، وأحكامه ؛ فإن الكفر: يهدم ما قبله، لقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت