فهرس الكتاب

الصفحة 742 من 830

والخلاصة انه لا بأس ـ ان شاء الله ـ على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة ضد من «يُظَنُّ» انهم يمارسون الإرهاب أو يؤوون الممارسين له ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم، مع استصحاب النية الصحيحة على النحو الذي أوضحناه، دفعًا لأي شبهة قد تلحق بهم في ولائهم لأوطانهم، ومنعًا للضرر الغالب على الظن وقوعه، وإعمالا للقواعد الشرعية التي تنص على ان الضرورات تبيح المحظورات، وتوجب تحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد، والله تعالى أعلم وأحكم ))

والفتوى تجيز للمجندين المسلمين في جيوش المشركين أن يقاتلوا دولة إسلامية يُدَعَى أنها تأوي"إرهابيين"استباحوا زهق أنفس بريئة!!

وسواء صحَتْ نسبة هذه الفتوى للأفاضل المذكورين أو لم تصح، فإنه يلزم المبادرة إلى بيان موقعها من النظر والتأصيل الشرعيين، والتنويه على ما أراه تجاوزًا لأحكام شرعية مستقرة، لا مجال للاجتهاد فيها وجعلها محل خلاف، ولا سيما بعد نشر الفتوى وإذاعتها، وصيرورتها قيد العمل والتطبيق اعتقادًا بصحتها، سواء من جهة المستفتين، أو غيرهم من عموم المسلمين.

هذا وإن ظني بالموقعين عليها، أنهم من أسرع الناس أوبة إلى الحق، أحرصهم إن شاء الله على المراجعة والتصويب.

بين يدي السطور: ملاحظات على قوالب ومضامين الفتوى:

أولى: تجاوزت الفتوى أحكامًا هي كالأصول للأمر المسؤول عنه، ويأتي على رأس ما تُجُوِزَ ما يلي:

أ) حكم إقامة المسلم في ديار الشرك، وما يتعلق بحالات الجواز من ضوابط، كاشتراط القدرة على إظهار شعائر الإسلام، وحرمة مظاهرة المشركين على المسلمين.

ب) حكم الدخول في جيوش المشركين، والمشاركة فيها، حتى وإن لم تكن في قتال مع المسلمين.

ج) حرمة الانضواء تحت راية عمية، تضرب في الأرض على غير هدى، ولا تبالي بحق قاتلت أم بباطل، ولا تحصى مظالمها، ولا تؤمن غوائلها.

ثانية: استباحة دماء غير المقاتلين محظور شرعي متفق على حظره، غير أن المنع متوجه إلى قصد القتل دون ما يقع منه ضمنًا وتبعًا، هذا من جهة أصل الحظر أو الإباحة، ثم يأتي مجال الاجتهاد فيما وراء ذلك من تقدير المصالح والمفاسد والموازنة بينها، ولقد يترجح المنع من الفتيا بحكم مقرر بأصل مشروعيته، لما يتوقع من آثاره وعواقبه ومآلاته، ولكن هذا الترجيح لا يخرج المسألة عن كونها معدودة من موارد الاجتهاد.

ولسنا في حاجة إلى التنبيه على أن الكثير من مسائل الاجتهاد يمكن رفع الخلاف عنه لو حررت مواضع النزاع فيه.

ثالثة: وجاء في نص الفتوى ـ بعد بيانها حرمة إزهاق النفوس بغير حق، وهو ما نؤكده ـ: ( فمن خالف النصوص الإسلامية الدالة على ذلك فهو عاص مستحق للعقوبة المناسبة لنوع معصيته وقدر ما يترتب عليها من فساد أو إفساد) .

وجاء فيها كذلك: (ولو أن الأحداث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة عُوملت بمقتضى نصوص الشريعة وقواعد الفقه الإسلامي لكان الذي ينطبق عليها هو حكم جريمة الحرابة الوارد في سورة «المائدة» [الآيتان 33 و34] ) .

ولم تبين الفتوى من هي الجهة الشرعية التي يُخول لها إيقاع العقوبة المستحقة على مسلم فيما لو ثبت ارتكابه لما هو جرم في نظر الشارع الحكيم!!

وهل يجيز لنا الشارع أن يؤخذ بجريرة المُدان (إن ثبتت إدانته) ، غيره من الأبرياء ومن لا ذنب لهم؟ قال تعالى: { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ } (الأنعام من الآية 164، والإسراء: من الآية 15، وفاطر من الآية 18 ، والزمر: من الآية7) وفي (سورة النجم) : { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (38، 39) .

ومن ذا الذي له الحق في إقامة حد الحرابة قادرًا على إنفاذه؟ وهل يملك مقيم الحد ـ إن وُجد بصفة شرعية ـ أن ينتصف للمدان فيما اعتُديَ عليه فيه؟

وإذا لم يكن للمسلمين جهة تنصرهم ظالمين (بأخذ الحق منهم) ، ومظلومين (بأخذ الحق لهم) ، فهل يجوز تسليم المسلم لمن يعبث به وبحرماته؟! وفي الحديث:"المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره" [رواه مسلم] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت