فهرس الكتاب

الصفحة 743 من 830

رابعة: والفتوى وإن دعت إلى العمل على كشف الجناة الحقيقيين، إلا أنها رجعت ووجهت عباراتها كما لو أنه قد ثبت ارتكاب المسلمين لهذا الفعل، وأنه لا حرج من قتالهم وقتل أبريائهم مع عدم ثبوت إدانتهم، كما جاء فيها (ولكن الحرج الذي يصيب العسكريين المسلمين في مقاتلة المسلمين الآخرين، مصدره أن القتال يصعب ـ أو يستحيل ـ التمييز فيه بين الجناة الحقيقيين المستهدفين به، وبين الأبرياء الذين لا ذنب لهم في ما حدث، وان الحديث النبوي الصحيح يقول: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، قيل هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه» (رواه البخاري ومسلم) ، وجاء في موضع آخر منها: (لا بأس ـ إن شاء الله ـ على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة) ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن استفتاء السائلين متجه إلى ما صارت جيوش التحالف بصدده من ضرب بلد مسلم (وربما بلاد) ، وهو الواقع المعاش، فإن الفتوى قد أجازت: قتال المسلم للمسلم بغير موجب شرعي.

خامسة: قفزت الفتوى فوق ما كان يجب بحثه من أحكام إكراه المسلم على قتال إخوانه المسلمين، بحسب ما جاء فيها من قولهم: (والواقع أن الحديث الشريف المذكور يتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه فيستطيع أن ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه، وهو لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه، وإلا كان ولاؤه لدولته محل شك مع ما يترتب على ذلك من أضرار عديدة) ، وقولهم: ( يتبين من ذلك أن الحرج الذي يسببه نص هذا الحديث الصحيح إما انه مرفوع، وإما انه مغتفر بجانب الأضرار العامة التي تلحق مجموع المسلمين في الجيش الأميركي، بل وفي الولايات المتحدة بوجه عام) ، وقولهم: ( وإنما المسلم هنا جزء من كل لو خرج عليه لترتب على خروجه ضرر، له ولجماعة المسلمين في بلده، أكبر كثيرًا من الضرر الذي يترتب على مشاركته في القتال) .

فطفقت الفتوى في أواخرها تنقض ما قررته في أولها، من أن قتل نفس واحدة هو كقتل الناس جميعًا، إذ أباحت قتل أنفس مؤمنة غير محصية دفعًا لضرر مظنون يلحق القاتلين أو غيرهم.

سادسة: وجاء في الفتوى: ( وأما الحرج الذي يسببه، كون القتال لا تمييز فيه فان المسلم يجب عليه أن ينوي بمساهمته في هذا القتال أن يحق الحق ويبطل الباطل، وان عمله يستهدف منع العدوان على الأبرياء أو الوصول إلى مرتكبيه لتقديمهم للعدالة، وليس له شأن بما سوى ذلك من أغراض للقتال قد تنشئ لديه حرجًا شخصيًا، لأنه لا يستطيع وحده منعها ولا تحقيقها، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والمقرر عند الفقهاء أن ما لا يستطيعه المسلم وغير ساقط عنه لا يكلف به) .

وهذه الصياغة هي نفسها صالحة لأن يحتج بها المتهمون (فَرَضًَا) بالهجمات، لأنه لا يمكنهم التمييز (ولا سيما مع ضعف إمكاناتهم وقلة حيلتهم) ، وأنهم إنما ينوون بها إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن عملهم يستهدف منع العدوان على الأبرياء، ولكن (في فلسطين والعراق وغيرها) ، أو الوصول إلى إضعاف المعتدين وردعهم، وهذا غاية ما أوتوا من وسيلة لرد العدوان، ]لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا (الطلاق: من الآية7) .

سابعة: وتقرر الفتوى:(وإنما المسلم هنا جزء من كل لو خرج عليه لترتب على خروجه ضرر، له ولجماعة المسلمين في بلده، أكبر كثيرًا من الضرر الذي يترتب على مشاركته في القتال.

والقواعد الشرعية المرعية تقرر أنه «إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما» ، فإذا كان يترتب على امتناع المسلمين عن القتال في صفوف جيوشهم ضرر على جميع المسلمين في بلادهم ـ وهم ملايين عديدة ـ وكان قتالهم سوف يسبب لهم حرجًا أو أذى روحيًا ونفسيًا فان «الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام» كما تقرر القاعدة الفقهية الأخرى).

أقول: أيهما أعم؟ الضرر المتوقع لحوقه بمسلمي أفغانستان والذي يمكن أن يبلغ ما لحق مسلمي العراق أو يزيد؟ أم ضرر مسلمي أمريكا الذي قد لا يتجاوز أن يكون ضررًا معنويًا، ولو فر ض أن يكون ماديًا، لأمكن دفعه ولو بالفرار منه، وهو الواجب على كل مسلم، فيما لو لم يأمن على نفسه في بلاد الشرك؟

ثم إن قتل نفس مؤمنة واحدة هو كقتل الناس جميعًا، ومضرة هذا الأمر عظيمة، لا مجال للتهوين منها على أساس المقارنة بين خصوصيتها وعمومية الضرر المقابل، ويؤيده أن الصحيح من مذاهب الفقهاء: هو أن الجماعة تقتل بالواحد المقتول بغير حق.

ثامنة: وتمضي الفتوى: (فإذا كان يترتب على امتناع المسلمين عن القتال في صفوف جيوشهم ضرر على جميع المسلمين في بلادهم ـ وهم ملايين عديدة ـ وكان قتالهم سوف يسبب لهم حرجًا أو أذى روحيًا ونفسيًا فان «الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام» كما تقرر القاعدة الفقهية الأخرى) .

وهذا من حيث المضمون قد سبق تصويبه، ومن حيث الشكل: كيف يستقيم في مقام الفتوى بناؤها على افتراضات، وترك تقدير تلك الافتراضات للمستفتين، حيث جاء فيما نقلته عاليه: (فإذا كان يترتب على امتناع المسلمين .. إلخ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت