وهذه الحرمة ثابتة حتى مع وجود عارض الإكراه، وقد تقدم أن المكره على حضور قتال محرم، لا يجوز له مباشرة القتال، بل الواجب عليه أن يمتنع من الحضور إن قدر، أو أن يفسد وسيلة القتل التي معه، أو غير ذلك مما تقدم ذكره على التفصيل، وقد شددت النصوص النبوية الصحيحة على هذا أيما تشديد، كما جاء في حديث أبي بكرة:"... فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى إحدى الصفين أو ـ إحدى الفئتين ـ فيضربني رجل بسيفه، أو بسهمه، فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار" [رواه مسلم: (2887) ] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ففي هذا الحديث أنه نهى عن الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال، أو إفساد السلاح الذي يقاتل به، وقد دخل في ذلك المكره وغيره. ثم بين أن المكره إذا قتل ظلمًا كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول، كما قال تعالى ـ في قصة ابني آدم ـ: { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} (المائدة:29) ...".
إلى أن قال:"والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة، ليس له أن يقاتل، بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يقتل مظلومًا، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام؟! كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل، وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلًا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل، فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس."
فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القوَد على المكره والمكره جميعًا عند أكثر العلماء، كأحمد، ومالك، والشافعي في أحد قوليه، وفي الآخر يجب القود على المكره فقط، كقول أبي حنيفة ومحمد. وقيل: القَوَد على المكره المباشر، كما روي ذلك عن زفر. وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القوَد، ولم يوجبه" ["مجموع الفتاوى": (28/539ـ540) ] ."
وفي شرح حديث أبي بكرة المذكور قبل قليل، قال الإمام النووي: "وفي هذا الحديث رفع الإثم عن المكره على الحضور هناك، وأما القتل فلا يباح بالإكراه، بل يأثم المكره على المأمور به بالإجماع، وقد نقل القاضي وغيره فيه الإجماع، قال أصحابنا: وكذا الإكراه على الزنا لا يرفع الإثم فيه، هذا إذا أكرهت المرأة حتى مكنت من نفسها، فأما إذا ربطت، ولم يمكنها مدافعته، فلا إثم والله أعلم" ["صحيح مسلم بشرح النووي": (18/16ـ17) ] .
وقال ابن رجب الحنبلي: "واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يبح له أن يقتله، فإنه إنما يقتله باختياره افتداءً لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم، وكان في زمن الإمام أحمد يخالف فيه من لا يُعتد به" ["جامع العلوم والحكم": (2/371) ] .
وقد جاء في نص الفتوى الموقع عليها من الأفاضل المذكورين: (ولكن الحرج الذي يصيب العسكريين المسلمين في مقاتلة المسلمين الآخرين، مصدره أن القتال يصعب ـ أو يستحيل ـ التمييز فيه بين الجناة الحقيقيين المستهدفين به، وبين الأبرياء الذين لا ذنب لهم في ما حدث، وان الحديث النبوي الصحيح يقول: «اذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، قيل هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه» (رواه البخاري ومسلم) .
والواقع أن الحديث الشريف المذكور يتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه فيستطيع ان ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه، وهو لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه، وإلا كان ولاؤه لدولته محل شك مع ما يترتب على ذلك من أضرار عديدة).
ولي على هذه الفقرة ملاحظات:
1ـ كيف أجازت الفتوى لهؤلاء العسكريين قتل من لا ذنب له بجريرة من له"ذنب"فَرَضًا؟ وهذا القسم الأخير عدد محصور مشاع، في كثير معصوم غير محصور!!
2ـ ما هي البينة الشرعية التي تدين المشار إليهم وتثبت عليهم ما اتهموا به؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" [حديث حسن، رواه البيهقي في"سننه": (10/252) ، وحسنه الحافظ في"الفتح": (5/283) ، وأصله في الصحيحين] .
قال الحافظ ابن رجب:"قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، قال: ومعنى قوله:"البينة على المدعي"يعني: يستحق بها ما ادعى، لأنها واجبة عليه يؤخذ بها، ومعنى قوله:"اليمين على المدعى عليه"أي: يبرأ بها، لأنها واجبة عليه، يؤخذ بها على كل حال.أ.هـ" [جامع العلوم والحكم": (2/230) ] ."