3ـ جاء في نص الفتوى: (والواقع أن الحديث الشريف المذكور، يتناول الحالة التي ... إلخ ) هذه الفقرة انطوت على خطأ فادح، إذ مفهوم المخالفة فيها يقتضي: أنه حيث لا خيار للمكره في قتال المسلم جاز له!! وقد تقدم بيان أنه لا عذر بالإكراه في قتال المسلمين.
4ـ وحيث زُعِم أن الحديث (لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه) ، كان الواجب أن يبين وجه ذلك، وأن تستقصى نصوص المسألة ـ كما هو الواجب على المجتهد عند النظر والاستدلال ـ أو أن تورد ـ على الأقل ـ النصوص المتناولة لما"لم يتناوله"هذا النص، وأن يبين حكم هذه الحالة التي (يكون المسلم فيها ... إلخ) ، ولا يصح أن يطلق هذا القول هكذا على عواهنه، إذ لا يمكن أن تأتي الشريعة بجواز الانخراط في جيوش المشركين، فكلامهم موهم بأن أصل الانخراط جائز!!
5ـ أما مسألة الولاء الذي لا ينبغي أن يفعل ما يؤدي إلى التشكيك فيه، فهي الطامة، والقارعة، والحاقة، والصاخة، أن يحرص المسلم على إثبات ولائه للذين كفروا، وقد تقدم شيء من الأدلة غير قليل، في بيان حرمة موالاة الكافرين، وإن كان ما أوردته قليلًا بالنسبة لما اكتظت به المرجعيات الإسلامية في هذا الباب، ولكني أقول: لعل الشيوخ الأفاضل والأساتذة الكرام يقصدون إلى معنى آخر، غير أن عبارتهم ـ لا شك ـ موهمة.
6ـ إذا كان بإمكان العسكري المسلم في جيوش المشركين تقديم استقالته، وبإمكانه: طلب العمل في مجال آخر غير القتال، بل بإمكانه الاستفادة بالقانون الذي يمنحه حق الامتناع عن دخول المعارك التي تصادم معتقداته وديانته (وكل هذا ذكره الأستاذ هويدي في مقاله) فكيف يُعد هذا العسكريُ ـ مع ذلك ـ مُكرَهًا أو مضطرًا؟!
أما الحديث المشار إليه، والمذكور في هذه الفقرة السابقة المنقولة عن الفتوى، فكلام أئمتنا فيه كما يلي:
جاء في"فتح الباري":"وقد أخرج البزار في حديث"القاتل والمقتول في النار"زيادة تبين المراد، وهي:"إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار"، ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ: لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيما قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار".
قال القرطبي:
"فبين هذا الحديث: أن القتال إذا كان على جهل، من طلب دنيا، أو اتباع هوى، فهو الذي أريد بقوله:"القاتل والمقتول في النار" ["الفتح": (13/37ـ38) ] ."
قال الإمام النووي:
"وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار، فمحمول على من لا تأويل له، ويكون قتالهما عصبية ونحوها" ["مسلم بشرح النووي": (18/15) ] .
ولا ريب أنه لا تأويل لهؤلاء العسكريين مقبول، ولا عذر لهم في مقاتلة المسلمين، ولا سيما مع تهافت أدلة الاتهام المدجلة، وإن المنصف ليدرك أي الفريقين ـ إذًا ـ هو الذي يقاتل عصبية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حمل علينا السلاح فليس منا" [صحيح البخاري": (7077،7071) ] ."
قال الحافظ العسقلاني:" (فليس منا) أي: ليس على طريقتنا، أو ليس متبعًا لطريقتنا، لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه، لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه، لإرادة قتاله أو قتله ونظيره".
قال:"وهذا في حق من لا يستحل ذلك، فأما من يستحله، فإنه يكفر باستحلال المحرم بشرطه، لا مجرد حمل السلاح، والأولى عند كثير من السلف: إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر" [فتح الباري": (13/27) ] .."
فهذا الحديث يدل على أن حمل السلاح على المسلم حرام في حد ذاته، وإن لم يكن به قتل ولا قتال، وأن نية القتال هي في نفسها إثم، قال الإمام النووي: " (إن المقتول في النار لأنه أراد قتل صاحبه) فيه دلالة المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور، أن من نوى المعصية وأصر على النية يكون آثمًا، وإن لم يفعلها ولا تكلم" ["شرح النووي": (18/17) ] .
وفي الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" [رواه البخاري: (7077) ] .
وفيه:"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" [رواه البخاري: (7076) ] .
قال الحافظ في الفتح: "وجملة الأقوال فيه ثمانية، ووقفت على تاسع، وهو أن المراد ستر الحق ، والكفر لغة: الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه. وعاشر: وهو أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر، لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جَرَهُ شؤمُ ذلك إلى أشد منها، فيُخشى أن لا يُختم له بخاتمة الإسلام" ["الفتح": (13/30) ] .
وبعد .. فهذه الأدلة قاضية على وجه القطع واليقين بما يلي:
1ـ حرمة مظاهرة المشركين على المسلمين، وكذا المعاونة ، والتأييد على ما يضر بالإسلام وأهله.
2ـ حرمة الانخراط في جيوش المشركين، وإن لم يكونوا في قتال مع المسلمين، لوجوه مذكورة فيما سبق.
3ـ حرمة الانضواء تحت راية عمية، تقاتل عصبية، لهوى أو لدنيا، حتى وإن كانت هذه الراية العمية لطائفة مسلمة.
4ـ حرمة مباشرة القتال أو القتل ونحوه، إذا ما أكره المسلم على الحضور عند التقاء الصفين.