قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:147] .
قوله: (فإن كذبوك) الضمير إما لليهود؛ لأنهم أقرب ذكرًا، وإما للمشركين، والأقرب أن الضمير في قوله: (فإن كذبوك) عائد على اليهود؛ لأنه جاء مباشرة بعد قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام:146] .
فقوله: (فإن كذبوك) يعني: اليهود، والذي يؤيد ذلك أنه لما أراد أن يتكلم عن المشركين في الآية الثانية قال: (( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) )، فوصفهم بوصف الإشراك، فالضمير هنا إما لليهود، وهذا الأقرب، وإما للمشركين، وإما للفريقين معًا، يعني: فإن كذبتك اليهود وزعموا أن تحريم الله لا ينسخ، وأصروا على ادعاء قدم التحريم، أو كذبك المشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم، أو هما فقل: إن الله يمهلكم على التكذيب، فلا تغتروا بإمهاله، فإنه لا يهمل، فهذا معنى قوله: (( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ) )ومن رحمته الواسعة أنه يمهلكم رغم أنكم تكذبونه وتفترون عليه الكذب، لكن لا تغتروا بهذه الرحمة الواسعة؛ فإنه لا يهمل، فقوله: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) أي: سيمهلكم ويعطيكم مهله، لكن (( وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) )، يعني أنه مع رحمته وحلمه ذو بأس شديد، وفيه ترغيب في ابتغاء رحمة الله الواسعة، باتباع رضوانه، وترهيب من المخالفة.