فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 3275

قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124] .

(قال) هذه جملة مستأنفة وقعت جوابًا عن سؤال مقدر بعد الكلام، يعني: إذا كان إبراهيم عليه السلام أتم هذه الكلمات وامتثل هذه الشرائع التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها، (فأتمهن) كأنه قيل: فما جوزي على شكره؟ ما جوزي على هذه التوفية؟ قيل: قال له ربه: (إني جاعلك للناس إمامًا) ؛ فشكر الله بذلك صنيعه بإتمام هؤلاء الكلمات، ومعنى (إمامًا) أي: قدوة لمن بعدك، والإمام اسم لمن يؤتم به، ولم يبعث نبي بعد إبراهيم إلا كان مأمورًا باتباع ملته، فهو أبو الأنبياء جميعًا، وكان هؤلاء الأنبياء جميعًا من ذريته، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت:27] .

(قال ومن ذريتي) إما أن يكون المراد: أن إبراهيم عليه السلام قال: (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي أئمة، وهذا حب الإمامة، وهناك فرق بينه وبين حب الرئاسة في الدين، والزعامة والظهور، فإن حب الإمامة إنما هو لخدمة الدين وللبذل في سبيله، والتمكن من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما التنازل عن الرياسة طلبًا للظهور في الدنيا فهذا من الدنيا وليس من الدين، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى لنا في دعاء عباد الرحمن: أنهم يدعون الله تبارك وتعالى بسؤال وطلب الإمامة أيضًا، قال سبحانه: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] يعني: اجعلنا نأتم بمن قبلنا، فنصلح لأن يأتم بنا من بعدنا.

{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة:124] أي: واجعل من ذريتي أيضًا أئمة كما جعلتني إمامًا، قال: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124] قال: قد أجبتك وعاهدتك أن أحسن إلى ذريتك، ولكن لا ينال عهدي الذي عهدته إليك بالإمامة الظالمين من هذه الذرية، وهذه إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى علم أن من ذرية إبراهيم عليه السلام ظالمين؛ لأن الله سبحانه وتعالى بين في مواضع أخر أن منهم ظالمًا وغير ظالم، وذلك في قوله عز وجل: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات:113] ، وقال أيضًا: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف:28] .

وعلى التفسير الآخر قوله: (ومن ذريتي) كأنها على الاستفاهم، يعني وذريتي كيف يكون الحال منهم؟ فأتى الجواب (لا ينال عهدي الظالمين) ولا تعارض، فقوله: (لا ينال عهدي) أي: بالإمامة الظالمين.

وقد اختلف العلماء في المراد بالعهد هنا، فأصح الأقوال: أن العهد هنا هو الإمامة، وقيل: الرحمة، والدين، والنبوة، والأمان، والميثاق، وأصحها: الإمامة في الدين؛ لإن هؤلاء الظالمين هم من ذريتك، وهم أبناء صلبك، ومن ذريتك من ناحية النسل، أما من ناحية الدين فإنهم بظلمهم وكفرهم وانحرافهم قد انتفت عنهم أبوتك إياهم، فليسوا أبناءك في الدين، وإن كانوا أبناءك من ذريتك، تمامًا كما قال الله عز وجل في حق نوح عليه السلام: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود:45 - 46] وفي قراءة: (إنه ليس من أهلك إنه عَمِلَ غير صالح) ، وهو قطعًا من صلبه، ولكن ليس على دينك، وليس من المؤمنين الذين وعدتك بإنجائهم، فهؤلاء -يا إبراهيم- ليسوا من أبنائك في الدين وإن كانوا من نسلك وذريتك.

وفي قوله: (لا ينال عهدي الظالمين) إجابة خفية لدعوته عليه السلام، ووعد إجمالي منه تعالى بتشريك بعض ذريته بنيل عهد الإمامة، يفهم منها: أن من ذريته فعلًا من سينال الإمامة، أما الظالمون منهم الذين ليسوا أبناءه في الدين فلن ينالوا هذه الإمامة، كما قال تعالى: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) ، وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، يعني: إن كنتم يا عرب أو يا يهود أو يا نصارى تزعمون أن أباكم إبراهيم عليه السلام، فإن كنتم من الظالمين الذين انحرفوا عن ملته فلن تكونوا أئمة في الدين، فتخلقوا بأخلاقه، ووفوا بالذي وفى به حتى تكونوا على طريقته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

فهذه إشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، لا يجزي أحد عنهم شيئًا ولا هم ينصرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت