فهرس الكتاب

الصفحة 2280 من 3275

مرجع الضمير في قوله:(ونحن أقرب إليه)

قوله: (( ونحن أقرب ) )المقصود به الملائكة، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة:85] فسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة، أي: لا تبصرون الملائكة، فمعنى قوله: (( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) )أي: بملائكتنا، بدليل سياق الآية: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق:17] كيف يكون هذا القرب؟ إذ يتلقى المتلقيان، فيربط بين هذا القرب وبين الملائكة بقيد الزمان، فهو زمان تلقي المتلقيان، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] ، ومعلوم أنه لو كان قرب ذات لم يخص ذلك بهذا الحال، ولم يكن لذكر الرقيب والعتيد معنى مناسب.

ومثل هذا قوله تعالى: {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة:83 - 85] فإن هذا يقال لمن كان يجوز أن يبصر في بعض الأحوال، لكن نحن لا نبصره، والرب تعالى في هذه الحال لا يراه الملائكة ولا البشر.

وأيضًا فإنه قال: (( ونحن أقرب إليه منكم ) )فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحالة، الرب سبحانه وتعالى إذا قيل: إنه في مكان، أو قيل: إنه قريب من كل موجود، فكان ذلك لا يختص بهذا الزمان والمكان، فلا يكون أقرب إلى شيء من شيء، ولا يجوز أن يراد قرب الرب الخاص كما في قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:186] فإن هذا إنما هو قربه ممن دعاه أو عبده، وهذا المحتضر قد يكون كافرًا وفاجرًا أو مؤمنًا ومقربًا؛ ولهذا قال تعالى: (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) أي: إلى كل ميت مطلقًا، وقد يكون الميت مسلمًا من السابقين أو من المقربين أو مؤمنًا عاديًا، وقد يكون كافرًا أو فاجرًا، فالقرب هنا للجميع بدليل الآيات التي بعد ذلك: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الواقعة:88] * {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ} [الواقعة:88 - 92] إلى آخر الآيات.

ومعلوم أن المكذب لا يخصه الله بالقرب دون من حوله، وقد يكون حوله قوم مؤمنون، وإنما المقصود قرب الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} [النساء:97] .

وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال:50] .

وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام:93] .

وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام:61] .

وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة:11] .

ومما يدل على هذا أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: (( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) )، وهذا كقوله تعالى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص:3] ، وقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) [يوسف:3] .

وقال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:17 - 19] .

فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه دل على أن المراد هو الله سبحانه مع الملائكة، فإن صيغة (نحن) تطلق على المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم.

فهو سبحانه خالقهم وربهم العالم بما توسوس به كل نفس.

قال الله: (( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) )يعني: الملائكة تكون قريبة، فكان لفظ (نحن) هو المناسب هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت