يقول القاسمي: يقال: تجسس في الأمر إذا تطلبه وبحث عنه، مثل تلمس، والجس كاللمس فيه معنى الطلب؛ لأن من يطلب الشيء يمسه ويجسه، فأريد به ما يلزمه، والتجسس من التفعل للمبالغة فيه.
قال الغزالي: ومعنى التجسس: ألا يترك عباد الله تحت ستر الله، فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف ما لو كان مستورًا عنه لكان أسلم لقلبه ودينه.
يعني: يكون قريبًا من معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة:101] ، فهو أسلم لقلبه ولنفسه ودينه.
وقد روي في معنى الآيات أحاديث كثيرة، منها حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فرفع صوته حتى أسمع العواتق في خدورهن) ، والعواتق: الفتيات أو الشابات في الخدور، والخدر: ستر يكون في أقصى البيت فيقول عليه الصلاة والسلام: (يا معشر من آمن بلسانه ولما يخلص الإيمان إلى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإنه من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته) .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا) .
ومعلوم أيضًا أن من شروط المنكر الذي يستحق أن ينكر على فاعله أن يكون ظاهرًا بغير تجسس، لكن لو أنكر إنسان على إنسان شيئًا عن طريق التجسس فالمتجسس هو المخطئ، لأنه لا يحق له أن ينكر حتى يستوفي المنكر الذي ينكر على فاعله شروطه، ومن ذلك أن يكون ظاهرًا بغير تجسس.
وروى أبو داود: (أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أتي برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) ، لا تتبع شيئًا مستورًا، لكن إن ظهرت لك علامة واضحة كرائحة الخمر من فمه أو الزجاجة في يده أو غير ذلك، فخذه بهذا الظاهر.