قال تعالى: (( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ ) )أي: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
والظرف (إذ) بدل اشتمال من المفعول قبله.
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف:4] نادى يوسف أباه بهذه الرؤيا؛ لأن يوسف عليه السلام كان يحب أباه يعقوب عليه السلام، وكان يعتقد في أبيه أنه كامل في علمه، فقد كان نبيًا من أنبياء الله، وأيضًا اجتمع إلى كمال علمه حلمه عليه وحبه له وشفقته عليه، بحيث لو كانت رؤياه تسوءه لأمكنه صرفها عنه، وهذا معلوم في عامة الناس.
فلذلك تجد الابن دائمًا ينظر إلى أبيه على أنه أكمل الناس وأنه أعلم الناس وأكرم الناس وأحسن الناس وهكذا، فلذلك ينظر إليه بصورة فيها اعتقاد علو الشأن بهذه الدرجة، فيوسف عليه السلام لا شك أنه محق في ذلك الاعتقاد.
قال القاشاني: قوله: (( إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) )هذه من المنامات التي تحتاج إلى تعبير؛ لأن بعض المنامات تكون أضغاثًا لا تعبير لها ولا يتكلف لها تعبير، لكن هذه كانت واضحة أنها رؤيا حق.
(( يا أبت ) )أصله: يا أبي، فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة، وكسرت تاء التأنيث لأن الياء مكسورة، فناسبها أن تكسر التاء التي هي عوض عنها، وقرئ بفتحها، (يا أبت) على حركة أصلها، أو لأن أصلها (يا أبتا) فحذفت الألف وبقيت الفتحة، وقرئ بالضم: (يا أبتُ) ، إجراءً لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء، من غير اعتبار التعويض.
(( إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) )هذا استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها.
والتكرار في قوله أولًا: (رأيت) ، ثم قوله: (رأيتهم) له فائدة، فهو استئناف من أجل بيان كيفية رؤيته هذه الأشياء التي رآها، وعلى هذا فلا تكرار، أو أنه كرر الفعل تأكيدًا، وذلك لطول العهد كما في قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون:35] .
وإنما أجريت المرئيات المذكورة مجرى العقلاء في ضميرهم، وجمع صفتهم جمعًا مذكرًا سالمًا (ساجدين) ؛ لأنه وصفها بفعل من أفعال العقلاء، وهو السجود.
ولو صح كونها ناطقة فلا إشكال.
قال القاشاني: ولم أر من تعرض لهيئة السجود.
أي: كيف كان سجود الشمس والقمر، هل حركت جانبها الأعلى إلى الأسفل، أو ظهرت مستديرة أو مستطيلة؟! وهذا كله من التكلف، وإنما ينبغي أن يوكل علم ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال تبارك وتعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] .