قوله تبارك وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) )وصفهم بعنوان الإيمان بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه، فإن ذكر صفتهم بضد صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتهما، فوصفهم الله سبحانه وتعالى بصفة الإيمان فقال: (يا أيها الذين آمنوا) لأنه بعد سيتكلم عن الكفار، فالاختلاف في صفة الإيمان والكفر يقتضي الاختلاف -أيضًا- في المحبة والموالاة، فلا يوالي الإنسان ولا يحب عدو الله عز وجل.
ثم يقول تبارك وتعالى: (بعضهم أولياء بعض) هنا إيماء إلى علة هذا النهي عن موالاة اليهود والنصارى، وعلة هذا النهي هي أن هؤلاء اليهود والنصارى متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضًا لاتحادهم في الدين، وإجماعهم على مضادتكم، فكيف يكون المرء مؤمنًا موحدًا مسلمًا يخالفهم في الدين ثم بعد ذلك يقع في موالاتهم؟! (( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) )أي: يصير من جملتهم إذا والاهم وأحبهم، وحكمه حكمهم وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين.
فهو بدلالة الحال منهم لدلالته على كمال المعتقد؛ لأن الإنسان إذا كان لا يصاحب إلا الكافر فيكون أكيله وشريبه وقعيده وصفيه وخليله، ويحبه ويناصره ويواليه، ويذهب معه ويجيء ويروح معه كان ذلك الاقتران في الظاهر يدل دلالة كاملة على أنه مثله، أو حكمه حكمهم، أو أنه من جملتهم.
وقد ذكر بعض العلماء ضابطًا يستخرج به الإنسان من قلبه هذا المعنى الذي هو البراءة من الكفار، وهو أن يستحضر ما يعتقد هذا الكافر في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني: هذا الكافر الذي تتخذه صديقًا وتصافيه وتعاشره معاشرة الإخوة والأحباب إذا سألته: ماذا تعتقد في محمد صلى الله عليه وسلم؟ أو إذا سألت نفسك: ماذا يقول هذا عن محمد عليه الصلاة والسلام؟ فهو -والعياذ بالله- يصف رسول الله بأنه -حاشاه- قد كذب وافترى على الله، وادعى أن الوحي نزل عليه، وهو يختلق القرآن إلى آخره، فضلًا عن أنه يعبد غير الله، فإنه يعبد عيسى عليه السلام الذي هو عبد الله، أو يشتم الله كاليهود الذين يسبون الله عز وجل وأنبياءه، فإذا استحضرت أن هذه عقيدته التي في باطنه وقلبه نشأ لك بذلك أشد النفور.
ولذلك قال بعض العلماء لما دخل على مجلس أحد الخلفاء القرشيين فوجد عنده يهوديًا أو نصرانيًا معظمًا موقرًا قال له: يا ابن الذي حبه في الورى وطاعته حتم واجب إن الذي شرفت لأجله يزعم هذا أنه كاذب ومقصوده بقوله: إن الذي شرفت لأجهل هو الرسول صلى الله عليه وسلم.
فشخص يصف محمدًا عليه الصلاة والسلام بأنه كاذب ولم تجد في قلبك إنكارًا لهذا وبغضًا لما يعتقد هذا في حق أصدق الصادقين محمد عليه الصلاة والسلام فمعنى ذلك أنه ليس في قلبك إيمان، ليس في قلبك حياة ولا إيمان ولا محبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الرجل إذا سب أبوه أدنى من ذلك وأهون من ذلك من السباب فإنه يغضب ويثور ويعادي من يفعل به ذلك، فكيف بمن يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصفه بالكاذب؟! وكيف يلتقي قلب مؤمن موحد مع مثل هذا القلب؟! فمن ثم يقول الزمخشري: وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تتراءى نارهما) فينبغي للمسلم أن يباعدهم بقدر استطاعته، حتى لا تتراءى النار في الأفق من شدة المباعدة بينهما.
ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه لـ أبي موسى في كاتبه النصراني: (لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله) .
قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) )الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار.
وهذه الآيات من أشد النصوص التي نحن في حاجة إلى التذكير بها في هذا الزمان؛ لأن هذه العقيدة الخطيرة هي أخطر مسائل الإيمان بعد التوحيد، وهي قضية موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، فهي الركن الوتين في الدين، وأصل عظيم جدًا من أصول الإيمان، ومما علم من الدين بالضرورة، ومع ذلك حصل الآن عند الناس -نتيجة الفتن التي نعيش فيها- اهتزاز خطير جدًا في قلوبهم، إلا من رحم الله تبارك وتعالى، حصل اهتزاز عجيب جدًا في قلوب الناس في قضية الولاء والبراء، فآيات القرآن واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار أنه يجب أن لا تقع أبدًا الموالاة ولا المصافاة بين مؤمن موحد وبين كافر عدو لله عز وجل، ولذلك قال ابن سيرين: قال عبد الله بن عتبة: (ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر) أي: ليتق أحدكم أن يصير يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر.
قال هذا الكلام يريد به هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51] .