قال الزمخشري: (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ ) )إلى آخره: تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه.
(المغتاب) : يأتي اسم فاعل ويأتي اسم مفعول، كمختار.
ثم قال: وفيه مبالغات شتى منها: الاستفهام الذي معناه التقرير.
والمبالغة هي من حيث إنه لا يقع إلا في كلام مسلم عند كل سامع حقيقة أو ادعاءً.
(( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ ) )، فيه مبالغة؛ لأن الاستفهام هو للتقرير، ومعنى ذلك أن هذا الكلام كل الناس يعرفونه، (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) ).
قال: ومنها: جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة، فوصل في الآية: (( أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) )، بالمحبة، (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ ) )، وأقبح شيء مكروه أن يأكل لحم أخيه ميتًا.
قال: فانظر إلى التضاد بين المحبة وبين أقصى ما يكره.
ومن المبالغة إسناد الفعل إلى (أحدكم) ؛ للإشعار بأن أحدًا من الأحادين لا يحب ذلك، حتى لا يوجد واحد يمكن أن يحب ذلك.
ومنها: أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخاه، لم يقل: أيحب أحدكم أن يأكل لحم إنسانًا، وإنما قال: (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) ).
ومنها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتًا، وهذا أشد، فشبه الغائب بالميت، وشبه الغيبة بأكل لحم أخيه وهو ميت.
وقال ابن الأثير في المثل السائر في بحث الكناية: فمن ذلك قوله تعالى: (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) )، فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتًا، ثم جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة.