فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 3275

يقول الرازي: دلائل التوحيد محصورة في قسمين: الأول: دلائل الآفاق.

الثاني: دلائل الأنفس.

قال عز وجل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت:53] ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر:57] ، ولما كان الأمر كذلك فلا جرم أن أمر في هذه الآية بالتفكر في خلق السماوات والأرض؛ لأن دلالتهما أعجب، وشواهدهما أعظم، وكيف لا نقول ذلك، وهو هنا يضرب مثلًا، وهذا المثل إذا تأملته على ضوء العلوم الحديثة رأيت من الأسرار ما هو عظيم جدًا، وتجد كم نحن مقصرون في الاعتراف بقدرة الله سبحانه وتعالى وحكمته في خلقه، وقد انكشفت لنا أشياء، وعلماء المسلمين ما قصروا في جانب التفكر أبدًا، بل العكس، فإذا راجعنا تراث العلماء فهذا الغزالي له كتب كثيرة في هذه الأشياء، فله كتاب مستقل في الإحياء اسمه (كتاب التفكر) ، وأيضًا له كتاب آخر يدعى: (الحكمة في مخلوقات الله) .

وكذلك الإمام ابن القيم له عدة كتب ككتابه (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة) ، وله كتاب آخر اسمه (الاستبيان في أقسام القرآن) وغير ذلك من الكتب، كلها تفيد التدبر في مخلوقات الله، ويعطيك درسًا عمليًا كيف تتدبر، وإن كانت المعلومات مصدرها التجربة البشرية وليس الوحي الإلهي، فنجد في بعض المعلومات قصورًا أو أخطاء بينها علم التشريح اليوم أو غيره.

لكن على أي حال فإنهم تساموا إلى أعلى مستوى ثقافي في عصرهم؛ لأنهم كانوا يهتمون بهذه العبادة وهي التفكر في خلق الله تبارك وتعالى، فنحن أولى أن نجتهد في هذا التفكر، خاصة وأنه قد كشف لنا أضعاف أضعاف ما كان عندهم، فانظر هنا إلى الرازي فهو يقوم بالتأمل في شيء من هذه الأشياء، ويقول: انظر إلى ورقة صغيرة من أوراق الشجر فسترى في تلك الورقة عرقًا واحدًا ممتدًا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة، ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخرى حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر، وعند هذا تعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكمًا بالغة وأسرارًا عجيبة.

من منكم درس علم النبات يعرف هذا الكلام؟! فهناك عناوين من البحوث الهائلة في علم النبات وأنواع الورق والوظائف الحيوية التي يمارسها النبات باعتباره كائنًا حيًا.

فالآيات الآن تكشفت لنا أكثر، فنحن مطالبون بأن نتأمل فيها؛ لأن هذه رسائل من الله سبحانه تكشف لنا عن قدرته، وهذه آيات الله التكوينية التي نحن مطالبون بالتفكر فيها.

انظر كيف أن كلام الرازي عن ورق الشجر يعتبر بالنسبة للعلوم الحديثة الآن سطحيًا إلى حد بعيد جدًا، لكن هذا الذي استطاع اكتشافه بالنسبة لما تكشف لديه من هذه العلوم، فهو لم يتحدث عن عشرات العمليات التي تحدث داخل النبات ووظائفها.

كما أن كل إنسان له بصمة تختلف عن بصمة الإنسان الآخر، وهذه أيضًا قد كشفها القرآن قبل أن تكتشف بعدة قرون، حينما قال تبارك وتعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة:4] اختار البنان بالذات؛ لأن البنان فيها البصمات المعروفة، حتى أصبحت حجة يستدل بها في معرفة مرتكب الجريمة، حتى إن بعض اللصوص والمجرمين في بريطانيا بعدما اكتشفت عملية البصمات هذه انتزع الجلد تمامًا حتى يموه، لكنه ظهر له من جديد جلد فيه نفس البصمات.

فكما أن لكل إنسان بصمة فكذلك كل نبات لا توجد ورقتا شجر في الدنيا كلها تتشابهان في هذا التعرق الذي يشير إليه الرازي.

وهناك بصمة للصوت في كل إنسان، وهذه البصمة تختلف تمامًا من إنسان إلى آخر موجود على ظهر الأرض، وفي الكمبيوتر والأجهزة الحديثة في الخارج الآن بصمة صوتية.

فهذه الأشياء ليست لمجرد التسلية، ولا ينبغي أن نهجرها، فالإنسان يحاول أن يتعمق فيها بنية التعبد والتفكر في خلق الله سبحانه وتعالى، ادرس واقرأ في علم الفضاء وفي علم النبات وفي علوم الحيوان وفي علوم الطب وفي غير ذلك من العلوم التي تكشف آيات الله سبحانه وتعالى، حتى علوم الهندسة نفسها، إذا تأملت في علوم الذرة وتركيب المادة والقوانين التي تحكمها تجد أشياء تبهر العقول، وتنطق كلها بأن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له.

يقول الرازي: وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكمًا بالغة وأسرارًا عجيبة، وأن الله تعالى أودع فيها قوىً جاذبة لغذائها من قعر الأرض.

حتى الآن لم يستطيعوا أن يجزموا بنظرية تفسر لنا كيف يصل الغذاء من التربة إلى كل أجزاء النبات؟! بل كلها احتمالات.

ثم إن ذلك الغذاء يسمونه القوة والجاذبية الأرضية، فهم لا يريدون أن يعترفوا بقدرة الله سبحانه وتعالى، فتراهم يشمئزون من ذكر الله، ويقولون: لو افترضنا أن هناك مغناطيسًا داخل الكرة الأرضية، والقطب الشمالي أعلى والقطب الجنوبي أسفل، وعلى هذا الأساس وجدوا أن كل الظواهر تفسر تفسيرًا صحيحًا طبقًا لهذا.

يقول الرازي: ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة، بتقدير العزيز العلم.

ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلق تلك الورقة لعجز عنه، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلق تلك الورقة الصغيرة، فحينئذٍ يقيس تلك الورقة على الشمس والقمر والنجوم، والأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، حينها سيعلم أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له البتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السماوات والأرض.

وإذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الإحاطة بهذا المقام لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين.

يقول: إذا عجز عن الورقة فالأولى ألا يعرف شيئًا عن السماوات والأرض والجبال والكواكب وغير ذلك.

ثم يقول: بل يسلم أن كل ما خلقه الله ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة، وإن كان لا سبيل إلى معرفتها، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: (( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ) )وكلمة: (هذا) متضمنة لضرب من التعظيم يعني: ما خلقت هذا المخلوق البديع العظيم الشأن عبثًا عاريًا عن الحكمة خاليًا عن المصلحة، بل منتظمًا بحِكَمٍ جليلة ومصالح عظيمة، من جملتها: أن يكون دلالة على معرفتك، ووجوب طاعتك، واجتناب معصيتك، وأن يكون مدارًا لمعايش العباد، ومنارًا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد.

قوله: (سبحانك) أي: تنزيهًا لك من العبث من أن تخلق شيئًا بغير حكمة.

(فقنا عذاب النار) فيه استحباب هذا الذكر عند النظر إلى السماء، (( ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار ) )وفيه تعليم العباد كيفية الدعاء، ففي الدعاء تقدم الثناء على الله سبحانه وتعالى، فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم -يعني: إذا دعا- فيبدأ بتحميد ربه سبحانه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء) وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه.

واعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وأبدانهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار، مع أنهم يأتون بكل هذه الأشياء التي سبق ذكرها، وهو أنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض إلى آخره، لكنهم مع ذلك وجلون خائفون من عذاب الله تبارك وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت