فهرس الكتاب

الصفحة 1181 من 3275

تفسير قوله تعالى:(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ونعم النصير)

ثم قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:39 - 40] .

(( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) )فتنة: فاعل؛ لأن (كان) هنا تامة، لأنها إذا أتت بمعنى الوجود والحصول تكون تامة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280] ، فذو هنا فاعل؛ لأن كان تامة.

(( حتى لا تكون فتنة ) )أي: شرك أو إضلال لغيرهم وفتن منهم للمؤمنين عن دينهم، أو أن قوله: (( حتى لا تكون فتنة ) )يعني: حتى لا تبقى فتنة، وحتى لا يبقى على وجه الأرض من يكفر بالله سبحانه وتعالى، وهذه هي غاية الجهاد.

(( ويكون الدين كله لله ) )أي: حتى يخلص التوحيد لله، فلا يعبد غيره سبحانه وتعالى.

(( فإن انتهوا ) )يعني: عن الكفر والمعاصي ظاهرًا.

(( فإن الله بما يعلمون بصير ) )يعني: بما يعملون ببواطنهم بصير، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) ، أي: في البواطن؛ لأن البواطن لا نستطيع أن نطلع عليها، لكن نقبل منهم ما يظهرون.

فقوله: (( فإن انتهوا فإن الله بما يعلمون بصير ) )يعني: سيجازيهم، وعليه حسابهم، فكفوا عنهم وإن لم تعلموا ببواطنهم، واقبلوا منهم ما يظهرون، وهذا كقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5] ، وفي الآية الأخرى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11] .

وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل) .

وفي الصحيح: (أن أسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف فقال: لا إله إلا الله، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لـ أسامة: أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! فكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟! فقال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذًا، فقال: هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يكرر عليه: كيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ) ، يعني: من شدة غضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه.

وقيل: (( ويكون الدين كله لله ) )، أي: حتى يكون الخضوع كله لله.

ثم قال تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:40] .

فقوله: (( وإن تولوا ) )يعني: إن أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا عن الشرك.

وقوله: (( فاعلموا أن الله مولاكم ) )يعني: أن الله ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته.

وقوله: (( نعم المولى ) )أي: فلا يضيع من تولاه.

وقوله: (( ونعم النصير ) )أي: فلا يُغلَبُ من نصره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت