فهرس الكتاب

الصفحة 1590 من 3275

تفسير قوله تعالى:(ثم أتبع سببًا وكان وعد ربي حقًا)

(( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ) )، أي: طريقًا راجعًا من مغرب الشمس موصلًا إلى مشرقها.

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} [الكهف:90] ، يعني: شيئًا يسترهم من المباني أو الجبال.

قال تعالى: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف:91] ، (كذلك) أي: أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان، وسعة الملك.

أو: أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من الحكم المتقدم.

أو: المقصود بكلمة (كذلك) : أنه كما حكم في أهل المغرب مكناه أيضًا في أهل المشرق يحكم فيهم بنفس الحكم المتقدم، أو: (كذلك) إشارة إلى مطلع الشمس، وأنه كما وجد الشمس تغرب في عين حمئة في جهة المشرق وجدها أيضًا تطلع في جهة المشرق، أو: المقصود أنه: بلغ مغربها كما بلغ مطلعها، ولا يحيط بما قاساه غير الله عز وجل، أو: (كذلك) صفة لقوم، أي: على قوم مثل ذلك القبيل الذين تغرب عليهم الشمس في الكفر والحجب، كذلك وجد قومًا بنفس الصفة في المشرق.

(( وقد أحطنا بما لديه خبرًا ) )، أي: علمًا نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض.

(( كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ) )، يفهم من هذا الإشارة إلى عظيم العدد والعدد التي كانت معه، بحيث لا يحيط بها إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يستطيع غير الله أن يحصر ويحيط ما معه من الجيوش الكثيرة وكذلك العدد والآلات.

قال تعالى (( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ) )، بعدما اتجه إلى مشرق الأرض حيث مطلع الشمس أتبع سببًا، أي: طريقًا ثالثًا معترضًا بين المشرق والمغرب.

(( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) )، بعض المصنفين يذكر أن هذه المنطقة تقع ما بين البحر الأسود وبين بحر قزوين، وهي عبارة عن منطقة جبلية تزيد على ألف ومائتين وخمسين كيلو متر تقريبًا، وهي منطقة جبال متصلة، فهي في حد ذاتها سد، وليس فيها مكان سوى مسافة واحدة هي التي تنقطع عندها السلسلة الجبلية، وهي التي أنشأ فيها هذا السد، وهي الجهة الوحيدة في المنطقة التي فيها سهل أو شعب واسع بين الجبلين، وكان يأجوج ومأجوج يغيران على الأمم من خلاله، أما ما عدا ذلك فكانت حواجز جبلية قوية جدًا، وهي سلسلة جبال القوقاز، والله تعالى أعلم.

(( السدين ) )بفتح السين وضمها قراءتان، أي: بين الجبلين اللذين سد ما بينهما.

(( وجد من دونهما ) )، أي: وراءهما، (( قومًا ) )أمة من الناس، (( لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) )، لكون لغتهم غريبة مجهولة، ولقلة فطنتهم.

(( قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ) )، بالقتل والإضرار.

(( فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ) )، أي: جعلًا نخرجه من أموالنا، وقرئ: (( فهل نجعل لك خراجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا ) )، أي: حاجزًا يمنع خروجهم علينا، (( قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ) )، أي: ما جعلني فيه مكينًا من المال والملك أجلّ مما تريدون بذله، وأنا لست في حاجة إلى هذا الجهد أو هذا الخراج؛ لأن ما مكني منه الله سبحانه وتعالى من المال والملك أجل وأعظم مما تريدون بذله.

(( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) )، بعمالة وصناع وآلات، (( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) )، أي: حاجزًا حصينًا، وأصل الردم: سد الثلمة بالحجارة ونحوها.

(( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) )، أي: ناولوني قطع الحديد.

(( حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) )، أي: بين جانبي الجبلين، (( قَالَ انفُخُوا ) )، أي: في الأكوار والحديد.

(( حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا ) )أي: المنفوخ فيه جعله كالنار في الإحماء، (( قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ) )، يعني: كان الحديد بمثابة اللبنات، والنحاس المذاب بمثابة الإسمنت، وهذه سبيكة من أقوى ما تكون من السبائك، والمعنى: أفرغ عليه نحاسًا مذابًا ليلصق بالحديد ويتدعم البناء به ويشتد.

(( فما اسطاعوا أن يظهروه ) )، يعني: لم يستطيعوا أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وملاسته، (وما استطاعوا له نقبًا) ، لم يستطيعوا ثقبه لسماكته وصلابته.

(( قال هذا رحمة من ربي ) )، أي: هذا السد رحمة من ربي على القاطنين عنده، وعلى القوم الذين يسكنون في هذه المنطقة؛ لأمنهم من شر من سد عليهم به، ورحمة على غيرهم لسد الطريق عليهم، يعني: هو أمان لهؤلاء الذين يسكنون عنده، وأمان لمن وراءهم أيضًا، لأنهم لن يصلوا إليهم بسبب هذا السد.

(( فإذا جاء وعد ربي ) )، بدحره وخرابه، (( جعله دكاء ) )، بالمد، أي: أرضًا مستوية، وقرئ: (( جعله دكا ) )أي: مدكوكًا مسوىً بالأرض.

(( وكان وعد ربي حقًا ) )أي: كائنًا لا محالة.

وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت