قوله: (( إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ) )قال كثير من المفسرين: إن هذه الآية مخصصة لما جاء في معاهدة صلح الحديبية، وقد كان في هذه المعاهدة: من جاء من الكفار مسلمًا إلى المشركين ردوه على المشركين، ومن جاء من المسلمين كافرًا لم يردوه على المسلمين، فأخرجت هذه الآية النساء من المعاهدة وأبقت الرجال، وذلك من باب تخصيص العموم، وهذا تخصيص للسنة بالقرآن، وتخصيص القرآن بالسنة معلوم، وقد قال في مراقي السعود: وخص بالكتاب والحديث به أو بالحديث مطلقًا أن تنتبه ومن أمثلة تخصيص السنة بالقرآن الكريم: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما أبين من حي فهو ميتة) ، فلو جاء رجل إلى كبش مثلًا وقطع ذيله لأجل ما فيه شحم، فهل يجوز أكله؟
الجوابلا يجوز أكله؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما أبين من حي فهو ميت) أي: ما فصل من حي فهو ميت، ولذلك فإنّ الإنسان الذي بترت ذراعه أو ساقه فإنها تعامل معاملة الميت؛ فتكفن، وتدفن إلى آخره.
وهذا العموم في قول النبي عليه الصلاة والسلام جاء تخصيصه بقوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأشْعَارِهَا} [النحل:80] يعني: ليس محرمًا، فهذا تخصيص، فالقرآن الكريم يخصص عموم السنة.
ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة:3] ، فجاء تخصيص هذا العموم في هذا الحديث -إن صح-: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والحوت) .
وقال القرطبي: (جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب -يعني: صلح الحديبية- والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعدُ، فأقبل زوجها -وكان كافرًا- فقال: يا محمد! اردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله هذه الآية) .
وقال بعض المفسرين: إنها ليست مخصصة للمعاهدة؛ لأن النساء لم يدخلن فيها ابتداء، وإنما كانت في حق الرجال فقط.
وذكر القرطبي وابن كثير (أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت فارّةً من زوجها عمرو بن العاص، ومعها أخواها: عمارة والوليد، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها، فقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: ردها علينا بالشرط، فقال صلى الله عليه وسلم: كان الشرط في الرجال لا في النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية) ، فالظاهر أن الآية مخصصة لمعاهدة الهدنة، أي: أنّ القرآن مخصص للسنة، وهذا من أحسن الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن.
ومما يدل على أنها مخصصة أمران مذكوران في الآية: الأول منهما: أنها أحدثت حكمًا جديدًا في حقهن، وهو عدم الحِلِّيَّة بينهن وبين أزواجهن، فلا محل لإرجاعهن، ولا يمكن تنفيذ معاهدة الهدنة مع هذا الحكم، فخرجن منها، وبقي الرجال.
والثاني منهما: أنها جعلت للأزواج حق المعاوضة على ما أنفقوا عليهن، ولو لم يكنَّ داخلات أولًا لما كان طلب المعاوضة ملزمًا، ولكنه صار ملزمًا، وموجب إلزامه أنهم كانوا يملكون منعهن من الخروج بمقتضى المعاهدة المذكورة، فإذا خرجن بغير إذن الأزواج كُنّ كمن نقض العهد، فلزمهن العوض المذكور، والله تعالى أعلم.