قال الله تعالى: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) )أي: دار الهجرة، وهي يثرب مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، كما تبوءوا فيها الإيمان وكأنه منزل لهم ودار، وهو تعبير ذو ظلال، وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان، لقد كان الإيمان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه، ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار.
(( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) )، ولم يَعرف تاريخ البشرية كله حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء، واحتمال الأعباء، حتى ليُروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بسرعة؛ لأن عدد الراغبين في الإيواء، والمتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين.
قوله: (( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) )أي: مما ناله المهاجرون من مقام مفضل في بعض المواضع، ومن مال يختصون به كمال الفيء، فلا يجدون في أنفسهم شيئًا من هذا، ولم يقل تعالى: (ولا يجدون في صدورهم حسدًا ولا غلًا ولا ضيقًا) ، وإنما قال: (حاجة) يعني: شيئًا، مما يلقي ظلال النظافة الكاملة لصدورهم، والبراءة المطلقة لقلوبهم، فلا تجد شيئًا أصلًا.
قوله: (( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) )، والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا، وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيرًا، وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديمًا وحديثًا.
قوله: (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) )، فشح النفس هو المعوِّق عن كل خير؛ لأن الخير هو بذل في أي صورة من الصور: بذل في المال، وبذل في العاطفة، وبذل في الجهد، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، ولا يمكن أن يصنع الخير أبدًا من يهمّ دائمًا أن يأخذ، ولا يهمّ مرة أن يعطي، (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) ) [الحشر:9] فقد وقي هذا المعوِّق عن الخير، فانطلق إليه معطيًا باذلًا كريمًا، وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه.